ياسين بودهان-الجزائر

بعد أقل من أسبوع على اعتقال فنان بتهمة العزف في الشارع دون رخصة، تحولت كبرى ساحات الجزائر العاصمة أمس السبت لقاعة عروض فنية مفتوحة، احتضنت مختلف المواهب الشبابية، في إطار تظاهرة "الفن في الشارع".

واستقطبت التظاهرة التي دعت لها جمعية "شباب ومواهب وآفاق"، عددا كبيرا من الفنانين الهواة قدموا من مختلف المحافظات الجزائرية، لتقديم إبداعاتهم في مجالات الغناء والموسيقى والرسم، كما كان للأطفال حظ في ذلك، من خلال ورشة خاصة بالرسم.

وبهدف إطلاع ودعوة الفنانين الشباب للمشاركة في هذه التظاهرة، أنشأت الجمعية صفحتين ترويجيتين بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، الأولى تحمل اسم الجمعية، والثانية تحمل اسم "حمامات الدزاير" أي حمامات الجزائر.

وقد تنافس الفنانون الهواة -وسط حضور جماهيري كبير- في استعراض مهاراتهم وابداعاتهم، بكل اللغات، وبمختلف الألوان الغنائية الجزائرية والعالمية، من غناء شعبي وقبائلي، إلى أغاني الراب.

ورشة للرسم خاصة بالأطفال أثناء مشاركتهم في تظاهرة "الفن في الشارع" (الجزيرة)

ويأتي هذا النشاط الفني بعد أقل من أسبوع على اعتقال قوات الأمن للشاب محمد دحة المشهور بـ "موح فيتا" -وهو من العازفين الهواة- حينما كان يعزف إحدى مقطوعاته بآلة "القيثارة" بأحد أكبر شوارع العاصمة، بتهمة "الغناء في الشارع دون رخصة".

وقد أثار اعتقاله موجه من الانتقادات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كما نظم العشرات من الفنانين الشباب اعتصاما في مكان اعتقاله دعما له، وتنديدا بالتضيق على الحريات، وهو الحراك الذي دفع برئيس بلدية الجزائر الوسطى عبد الحكيم بيطاش إلى إصدار قرار يقضي بمنح تراخيص للفنانين الشباب من أجل مساعدتهم على تقديم إبداعاتهم في الشارع.

دعم للمواهب
وكان الشاب المعتقل من بين الأوائل الذين استفادوا من هذه الرخصة، كما تحصل على "قيثارة" من الطراز الحديث من طرف الديوان الجزائري لحقوق المؤلف هدية له.

مينا بلميهوب: الهدف من مبادرة "الفن في الشارع" هو تنشيط المشهد الثقافي (الجزيرة)

ورغم أن البعض يؤكد أن تظاهرة "الفن في الشارع" هي رد فعل على اعتقال الشاب العازف، يؤكد القائمون عليها عكس ذلك، وهو ما أكدته عضو الجمعية المنظمة مينا بلميهوب حينما قالت إن "هذا النشاط الأول من نوعه والمرخص لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بحادثة اعتقال الفنان الشاب".

وقالت للجزيرة نت إن "الفن في الشارع" مبادرة مبرمجة منذ أشهر، والهدف منها تنشيط المشهد الثقافي، ودعم الفنانين الهواة، لأن الكثير من الفنانين الشباب برأيها "يمتلكون قدرات خلاقة في مجالات الفن المتعددة، لكن تلك القدرات لا تجد فضاءات لتفجيرها".

ورغم تأكيدها على أن الصدفة وحدها هي التي قربت زمانيا بين حادثة الاعتقال وتنظيم التظاهرة، خيمت حادثة الاعتقال على هذا الحدث الفني، ويعتقد عمر مقراني وهو فنان هاو أنه "من غير المقبول اعتقال شخص يسعد الجمهور بما يقدمه من فن"، فالفنان "عكس السياسي يشيع قيم الحب بين أفراد المجتمع، ويبرز كل ما هو جميل فيه".

فرق موسيقة من الهواة أثناء مشاركتهم في تظاهرة "الفن في الشارع" وسط الجزائر العاصمة (الجزيرة)

رد فعل
في المقابل يعتقد المدون الشاب والناشط الحقوقي أنور رحماني أنه "كان يمكن اعتبار هذه التظاهرة قيمة مضافة للرصيد الثقافي الجزائري لو أنها كانت عفوية أكثر منها رد فعل"، ويعدها "مبادرة جميلة"، إلا أنه يرى أن "تنظيم هذه التظاهرات في أوقات معينة لا يعكس حركية النشاط الفني والثقافي بالجزائر، بل يعكس صورة كسل فني، لا يتحرك إلا بعد الصفعة".

واعتبر رحماني تأكيد المنظمين على أن النشاط ليس رد فعل على اعتقال العازف يبقى "عذرا واهيا"، وإن كان الأمر كذلك يقول "فلم لا تنظم أنشطة مماثلة في مناطق خارج العاصمة؟ لأن المواطن في الجزائر العميقة أيضا من حقه أن يستمع للموسيقى، وأن يتذوق الفن".

ويرى أن إلزامية الحصول على ترخيص لمزاولة الغناء أو العزف في الشارع بمثابة "نكتة لا تليق بالتراكم الثقافي الذي عرفته الساحة الثقافية الجزائرية وتاريخها العتيق"، واعتبر الأمر بمثابة "انتكاسة"، لأن تنظيم تظاهرات فنية لمسح ما أسماه بـ"الفضيحة" يعد "ترقيعا فاشلا من البداية"، لأن الأصل "في حل المشاكل يكون بحل أسبابها من الجذور، وليس بوضع مساحيق تجميلية لتغطية جرح ثقافي لا يبدو أنه سيتوقف بسهولة عن النزف".

المصدر : الجزيرة