نزار الفراوي-الرباط

يرسم الكاتب السوري نبيل سليمان في رواية "ليل العالم" التي صدرت حديثا عالما سوداوي الأفق، يطبق على كائنات مطوقة بالعجز والذهول، في مدينة تحولت الى سجن كبير لأبنائها ومقبرة لأحلام شباب "الربيع".

في مدينة الرقة السورية، التي أضحت عاصمة لتنظيم الدولة الاسلامية، وحيث عاش الكاتب سنوات من عمره، تتحول أحلام الربيع الى كوابيس. سقطت أنصاب النظام، لكن زمن الحرية الذي كان حلما متراقصا في مدى النظر انطلاقا من حراك 2011، ارتمى في حضن العبث، حين دانت السلطة للملثمين الداخلين ليلا على متن سيارات رباعية الدفع، ذات يوم من 2013.

"ليل العالم" الرواية التي منعت سلطات دمشق توزيعها، مكتوبة بطراوة الحدث الآني، مدبجة بسخونة انفعالات شخصيات تكاد تخرج من النص لتدلي بشهاداتها على شاشات القنوات الإخبارية التي تتابع يوميات المأساة السورية المضاعفة، وهي تتأرجح بين ليل وليل آخر ينازعه العتمة والانسداد العبثي والمتاهة اللانهائية.

سفر في الزمن
هي رواية الأستاذ منيب، الشاهد على عصور سوريا الحديثة. نموذج مثقف حاول أن يحمي استقلاليته وحريته في ظل القبضة الدكتاتورية للنظام من الأسد الأب إلى الأسد الابن. هو الراوي الذي انتدبه نبيل سليمان ليتقفى عبر سيرته، وفي ثنايا رؤيته، قصة الدراما السورية منذ أطبق حافظ الأسد يده على السلطة وصولا الى أيام التنظيم الجهادي والربيع المخنوق في دمشق وخريطة التراب الوطني المستباح.

تضمر الرواية عناصر سير ذاتية لا تخفى، تكشفها اللغة الحميمة التي يكتبها نبيل سليمان بحواسه وتفاعل الأحداث مع أمكنة حية بذكرياتها والعلاقات الإنسانية التي نسجها الكاتب سنوات مقامه بالرقة

عند هذه الشخصية الرئيسية الراوية، تتقاطع المصائر والحالات الإنسانية والنماذج الروائية التي تسعف الكاتب في الإمساك بمختلف تجليات وأبعاد الحالة السورية. فمن خلال صداقات منيب وعلاقاته الاجتماعية والوسط المهني الذي يتحرك فيه، وأساسا من خلال علاقته العاطفية الأزلية مع هفاف، تتوالد الرؤى والخلاصات ويتشكل المشهد بجزئياته وامتداداته في المكان والزمان، ليقدم حالة بلد ضاع، ليس اليوم، ولكن منذ زمن بعيد.

فالرواية وهي النص المتوتر بحريق الزمن الراهن، ليست مجرد حالة وصفية لما يحدث الآن. حكاياتها تسافر في الزمن السوري ماضيا وحاضرا ليبدو أن المصير الأسود ابن شرعي لخطايا الأمس. لعبة التذكر في سلوك منيب وسيلة هذا السفر في ربوع الألم الجماعي. يستدعي سيرة التفاعل مع شخصيات تمثل كل منها قطعة من المشهد السياسي السوري قبل العاصفة: الرفيق الموالي للأجهزة، الشيوعي، الإخواني، العلماني الليبرالي، وصولا إلى الناشط الشاب المفعم بآمال التغيير.

في مدينة الرقة، تصبح الشخصيات عينات تمثيلية للضحايا. العنصر المسيحي (أم باسيل) الذي كان مواطنا فأصبح ذميا، الكردي (قارو) الذي لم يعد له من خيار غير الرحيل، العلماني، الذي فقد صوته وأصبح هدفا مرصودا للناطقين باسم السماء. في الرقة يكتشف القارئ التحولات العجيبة التي أفرزها الوضع، حيث الشيوعي قد يصبح نصيرا للجهاديين، لأن الزمن غير الزمن.

وتبقى هفاف، خطيبة منيب، معشوقته الأزلية، ذات حضور قوي في النص، برمزية الصوت النسوي المقدام، المتحدي لسلطة تلتهم حرية الناس باسم الدين. إنها الشخصية المفجرة للعقدة المأساوية في "ليل العالم" حيث يواجه منيب عاجزا عن الفهم والفعل معا، حادثة الحكم "الشرعي" بخنق هفاف التي تلقي به في حالة من التيه والتشرد.

إنها رواية المتخيل، لكنها تضمر عناصر سير ذاتية لا تخفى، تكشفها اللغة الحميمة التي يكتبها نبيل سليمان بحواسه وتفاعل الأحداث مع أمكنة حية بذكرياتها والعلاقات الإنسانية التي نسجها الكاتب سنوات مقامه بالمدينة. ثمة نوستالجيا حارة لمكان داهمته الكارثة.

إنها رواية عن المأساة، لكنها أيضا رواية عن الحب في الأزمنة الصعبة (علاقة منيب بهفاف) وعن سؤال التعايش بين الديانات والثقافات، وعن الوجوه الآثمة للسلطة المطلقة

فوضى عارمة
يتوزع بناء النص الروائي على فصول قصيرة عبارة عن قطع فسيفسائية قد تبدو في حالة فوضوية حيث تتوالى أمشاج حكايات من الآن والماضي، من الهنا والهناك، من هذه السيرة وتلك. هي فوضى الحكاية التي تحاكي فوضى الواقع والمآل. لكنها في العمق، حكايات تعيد ترتيب موقعها بسلاسة في ذهن القارئ، بالنظر لاستنادها إلى خطاطة متماسكة توزع بحنكة وذكاء مناطق حركة الشخصيات وأدوارها، وتؤطر بوعي كلي تلك المراوحة بين الماضي والحاضر.

إنها رواية عن المأساة، لكنها أيضا رواية عن الحب في الأزمنة الصعبة (علاقة منيب بهفاف) وعن سؤال التعايش بين الديانات والثقافات (بين العرب والأكراد والمسلمين والمسيحيين) وعن الوجوه الآثمة للسلطة المطلقة، وعن ثقافة المقاومة داخل الكيان الفردي، حين تنسد آفاق التغيير المجتمعي العام، وعن الهجرة من أجل النجاة أو النسيان، وعن الحنين أيضا.

لكن، من جهة أخرى، تحمل الرواية سمات النص الأدبي المكتوب تحت وطأة الزلزال، حيث لا تتسع المسافة لرهان أكبر على الجماليات ولا تسعف في الذهاب بعيدا إلى تخوم التخييل. هكذا ينحو النص إلى طابع التأملات والأفكار المتداعية والعين اللاقطة الواصفة لواقع يتموج ومستنقع يبتلع الضحايا ويخسف الأرض تحت قدم الشاهد نفسه.

"ليل العالم" استئناف لمشروع بدأ لدى نبيل سليمان مع "مدائن الأرجوان" التي صور فيها سوريا الثمانينيات على إيقاع الصراع بين نظام الأسد وجماعة الإخوان المسلمين، وتواصل مع "جداريات الشام-نمنوما" التي واكبت هبة ربيع دمشق وأحلامه والتباساته إلى آخر أيام 2011.

المصدر : الجزيرة