هيثم حسين

يظهر اللبناني أحمد محسن في روايته "وارسو قبل قليل" مهووسا بقضايا الهوية والانتماء والذاكرة والبحث عن الجذور وطرح أفكاره إزاء عدد من الأحداث بحيث يبدو عمله كأنه رواية أفكار مكثفة أكثر من وقائع وأحداث، ذلك أن الحياة الجوانية للشخصيات تطغى على الغربة التي رافقتها في ارتحالاتها، وتكون صدى لاغترابها بين وارسو وبيروت، بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين ما كان وما ينبغي أن يكون.

يتبدى الزمن أحد أبطال الرواية (نوفل، بيروت 2015)، المختارة ضمن اللائحة الطويلة لجائزة البوكر 2016، ذلك أن هناك تركيزاً كبيراً عليه، يستهل بالعنوان الذي يحدد الزمن في وارسو بـ"قبل قليل"، وذاك الزمن المحدد زئبقي بدوره، يتسلل من مكان لآخره، ولا يقف عند عتبة بعينها. ثم يعنون كل فصل بتاريخ مختلف، يتنقل بين الماضي البعيد والقريب، يبدأ بعام 1945 بُعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويختم بعام 2006، ويلحق الزمن بمكان يشير إليه، رغم تنقلاته المكانية المتعددة، وبخاصة بين وارسو وبيروت.

لعبة التسلط
يصوّر محسن رحلات في الذاكرة يقوم بها بطل الرواية جوزيف، وهو حفيد موسيقي بولندي من أصل يهودي، نجا من المعتقل والإبادة، وحين نقل مع المئات من اليهود بعد سنوات إلى إسرائيل لم يرضَ بالعيش في ظل سلطة عنصرية، بل غامر بالانتقال إلى لبنان واختيار شخصية جديدة، وتنصر هناك ليتخلص من أعباء الأحكام المسبقة، ويبدأ بداية مختلفة بعيدة عن أجواء الحرب والتدمير.

يرصد محسن في روايته مصائر ثلاثة أجيال، الجد والأب والابن، يعيد الحفيد إلى وارسو بعد التفكك المريع الذي تتعرض له بيروت، يشهد على الاغتيالات والتصفيات فيها، يعاين الخراب الذي يشمل تفاصيل الحياة فيها..

يرمز صاحب "صانع الألعاب" إلى التواصل الجيلي، وعدم القطيعة مع التاريخ، ولعبة التسلط التي تمارسها السلطات بذرائع شتى تخفي عنصرية مقيتة، وتتسبب في كوارث تتسع دوائر تأثيرها بمرور الزمن. فالجد الهارب إلى الشرق من جحيم الحرب في وارسو، وجحيم العنصرية التي كانت قد تفاقمت إزاء اليهود هناك، يجد نفسه محاصراً بعنصرية أكثر مقتاً، عنصرية تستمد مبررات استعارها وتجددها وتدميرها من تفاصيل صغيرة، تؤدي إلى فجائع كبرى.

الجد المفعم بروح موسيقية، يرى العالم من منظاره الموسيقي، يتعاطى معه بحذر الفنان، يشكك وينغمس في الوقت نفسه في الأحداث، تقوده المصادفات من اتجاه لآخر، ترسم مسارته وتبقيه في محطة الاغتراب، يسير ابنه فادي في طريق مختلف، يختار مصيره كمدافع عن أرض وجد نفسه منتمياً إليها. ثم يرث الحفيد من الجد قلقه الوجودي وتيهه العالمي.

يشكل انتقال الجد من الغرب إلى الشرق منعطفاً في تاريخ الأسرة، يلتقط تحركات بعض ممن رافقوه في رحلته من وارسو إلى ميناء يافا، واكتشافه حيل الصهاينة في السياسة والواقع، فالضحية الذي كان يمثله ويرمز إليه، تحول في المكان الجديد إلى جلاد يفتك بالفلسطينيين المظلومين، يغتصب أرضهم، وينهب تاريخهم ويسطو على إرثهم، ويصور نفسه صاحب حق في أرض غيره.  

طائفية مقيتة
يرصد محسن في روايته، وهي ضمن اللائحة الطويلة لجائزة البوكر العربية في دورة 2016، مصائر ثلاثة أجيال، الجد والأب والابن، تراه يعيد الحفيد إلى وارسو بعد التفكك المريع الذي تتعرض له بيروت، يشهد على الاغتيالات والتصفيات فيها، يعاين الخراب الذي يشمل تفاصيل الحياة فيها، ينقل جانباً من الضغائن الطائفية المتفشية والمتفاقمة بين كثير من سكانها، ويلفت إلى الانقسام الذي يصِم المدينة ويبدد هدوءها ويتسبب في طرد أبنائها منها.

الحفيد جوزيف يضيق ذرعاً بالانتماءات الضيقة، يحطم قيود الهوية المنغلقة على ذاتها التي تخنقه، تمنحه الموسيقى آفاقاً أوسع، وتنقله إلى رحابة فضاءات غير مسورة، تبقيه منتمياً إلى جميع الأمكنة والأزمنة، يستلهم روح الموسيقار شوبان الذي كان جده قد سكن بيته في وارسو، وكأنه نقل إلى حفيده ذاك الشغف الموسيقي، الذي ينعش روحه، يسعى للتحليق في عوالم الأدب والفن، يتخفف من أعباء التاريخ باحثاً عن تاريخه الشخصي، لكنه يظل حفيدَ يهوديٍّ بولندي، وابن أب لبناني، وإنساناً حالماً بالحرية والانعتاق للجميع من قيودهم وأحقادهم.

يلفت محسن إلى أن إرث الأجداد قد يصبح عبئاً كبيراً على الأحفاد، وقد يرثون عنهم تمزقهم وشتاتهم ومحنهم، فرحلة التيه التي قادت يوزيف من بولندا إلى لبنان تتقد لدى حفيده جوزيف بفعل المصادفات والوقائع التاريخية والأزمات العاصفة بالبلد إلى رحلة معاكسة لرحلة جده، يفرض عليه واقع الأسى العودة إلى جذوره، محملاً بهموم بلاد انتمى إليها وعشقها بكل تناقضاتها، ليمضي إلى مستقبل يخشى أن يكون صدى لماضيه وحاضره.

المصدر : الجزيرة