نزار الفراوي-الرباط

موجة جديدة من الأغاني المغربية تقتحم قلعة الشرق التي طالما كانت متمنعة على الفن الوافد من المغرب العربي عموما، والمغرب خاصة، لكن الجدل يظل قائما في الوسط الفني بالمملكة، بين من يهلل لانتشار المنتج الفني الوطني في الخريطة العربية، ومن يعد هذه الموجة حالة هجينة من صناعة شركات الإنتاج الكبرى، لا تحمل روح الغناء المغربي الاصيل.

عبد الوهاب الدوكالي، عبد الهادي بلخياط، نعيمة سميح، أسماء مخضرمة قليلة تألقت في صنع كيان خاص للأغنية المغربية العصرية، وعبر سنين طويلة من العطاء، بالكاد استطاعت مجموعة صغيرة الوصول بفنها لدى فئة نخبوية محصورة من الجمهور العربي، بالنظر إلى غياب القنوات الفضائية في السبعينيات والثمانينيات، وضعف انفتاح الإعلام العربي على العواصم الفنية خارج محور القاهرة بيروت.

اعتبرت اللهجة المغربية والإيقاعات المركبة حاجزا أمام تحقيق الجماهيرية عربيا والدخول كأرقام صعبة في حسابات الأسواق وشركات الإنتاج.

وفي ظل انحسار حركية الإنتاج في مجال الأغنية المغربية العصرية، وحالة الإحباط التي تسود روادها، خرجت أصوات شابة من جلباب هذا الإرث الكبير لتخوض إغراء التحليق في سماء الشهرة على المستوى العربي، برؤية جديدة للاختيارات الغنائية، على مستوى النصوص والإيقاعات.

ولعل النجاح الساحق الذي يحققه النجم سعد المجرد بأغان مثل "انتي باغية واحد" و"المعلم" ونسب المشاهدة المليونية التي تحققها أغانيه على وسائل التواصل الاجتماعي، تعكس ظاهرة جيل جديد من صناع الفن المغربي، بأسئلة وجدل حول جوهر هذا النجاح.

محمود الإدريسي: الموجة الجديدة ليس عابرة طالما لها شركات قوية تدعمها (الجزيرة)

أصوات بلا روح
هي أصوات جميلة تستحق التنويه، يقول الفنان محمود الإدريسي، أحد قدامى فناني الزمن الجميل في المغرب، لكن المنتج الفني الذي تؤديه لا علاقة له في نظره بروح الأغنية المغربية التي بنت هويتها الخاصة وتميزها ورقيها على مستوى الكلمة واللحن على مدى عقود.

يقول الإدريسي، وهو الأمين العام لنقابة الموسيقيين المغاربة، "نعم هناك حركة مكثفة لتصدير الأصوات المغربية، لكن الأغنية المغربية نفسها لا تجد ذاتها في ما يطرح في سوق الفن. لا إيقاعات ولا روحا مغربية في هذه الموجة الجديدة التي تصنعها شركات إنتاج تريد الترويج لنوع من الأغاني، بعضها يوظف كلمات ساقطة".

يرى الإدريسي أن الأمر لا يتعلق بصيحة عابرة طالما أن هذا النوع الجديد من الغناء وجد الرعاية لدى شركات قوية تبحث عن الربح المضمون. وهو لا يؤاخذ الجيل الجديد من الشباب الذين توجهوا إلى الشرق لتحقيق النجاح في حضن شركات لها القدرة على صناعة النجوم.

معيار النجاح
وبوصفه أحد نجوم هذه الموجة الجديدة، لا يخفي المغني الشاب حاتم عمور اعتزازه بنجاحاته ونجاحات أبناء جيله. يقول في هذا السياق "إنه أمر جميل أن نجوب العالم بأغان من صلب ثقافتنا المغربية، وهدفنا هو الوصول بهذه الأعمال إلى أقصى الأماكن".

بالنسبة لحاتم لا يتعلق الأمر بنجاح وليد الصدفة، فهو مثلا يواصل العمل منذ  11 عاما، منذ تخرجه من برنامج لاختيار الأصوات في قناة تلفزيونية مغربية. يتابع الانتقادات التي تلاحق الأغاني المتعاقبة التي تنزل إلى الأسواق بأصوات مغربية شابة، بعضها يطل من الشرق حتى قبل أن يعرف في بلاده، لكنه يبقى مقتنعا بأن النجاح الجماهيري هو المعيار الأول لتقييم العمل وتحديد الوجهة التي يتعين على الفنان أن يمضي إليها.

واعتبر حاتم عمور أن الأصوات ليست هي التي تصنع تميز الأعمال الجديدة في الأغنية المغربية، وأن الاختراق الأساسي الذي أبهر صناعة الموسيقى في الشرق تحقق على مستوى التوزيع اللحني والجودة التقنية واختيار الكلمات البسيطة والقريبة من وجدان عموم الجمهور، خصوصا الشباب.

الخلوفي: الموجة الجديدة لن تمحو التوجه الكلاسيكي في الأغنية (الجزيرة)

معيار الانتشار
وتعليقا على هذا النجاح الواسع وغير المسبوق، يقول الباحث المختص في الموسيقى المغربية عبد السلام الخلوفي إنه لا يمكن بأي حال أن يعتبر حضور بضعة أغان مغربية، لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، في المشرق العربي في الفترة الأخيرة، مؤشرا صادقا عن صحوة حقيقية للأغنية المغربية، بعد سنين طويلة، من غزو فني مشرقي وخليجي.

ويقر الباحث المغربي بضرورة الاعتراف بظهور جيل جديد، حاول التسلح بالأساليب الجديدة في تسويق الأغنية وترويجها، بدءا من اختيار التيمة وطبيعة الكلمة واللحن والتوزيع، مرورا بتقنيات التسجيل، ووصولا إلى أحدث قواعد التسويق الفني، استطاع، بفضل حسن استثماره للثورة المعلوماتية وتمكنه من وسائط الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي، أن يصل في أقصر مدة إلى أكبر قدر من المتلقين.

ويربط الخلوفي في قراءته لعوامل هذه الموجة هذا التوجه الجديد بتقلص تلك السلطة الضاربة التي تمتلكها شركات الإنتاج، على مراحل؛ بدءا بالطفرة الفضائية في المجال التلفزيوني بداية التسعينيات، ومرورا بانتشار الأقراص المدمجة وما استتبع ذلك من ظهور القرصنة مع سهولة عمليات النسخ، ووصولا إلى الثورة المعلوماتية لتنقلب موازين القوى، وتسلب السلطة التقريرية المطلقة من يد شركات الإنتاج.

وعن تأثير الموجة الجديدة على حضور الأغنية المغربية لزمن الرواد، وهو سؤال يطرح في بلدان عربية عديدة، اعتبر الخلوفي أن القول بكون الموجة الجديدة ستمحو التوجه الكلاسيكي في الأغنية، لا يستقيم بإطلاق، فهناك دائما "عشاق لا يستقيم لهم الطرب إلا باستعادة هذه الروائع. صراع القديم والجديد كان وما زال وسيظل قائما، وسيظل لكل فريق عشاقه ومريدوه".

المصدر : الجزيرة