المحفوظ فضيلي

في الحلقة الخامسة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نرحل إلى فلسطين مع الروائي والإعلامي أسامة العيسة، الذي يرى أن الربيع العربي لم ينجح في إنتاج مرجعيات ثقافية قادرة على إحداث ثورات ثقافية مواكبة، وهو ما مهد الطريق للثورات المضادة على غرار ما حصل في مصر.

وعن رأيه في دور الإبداع في الحراك العربي، يقول العيسة -الذي صدرت له عدة كتب أدبية وبحثية في القصة والرواية والآثار وطبيعة فلسطين- إنه من الصعب الحديث عن دور مباشر للإبداع في تثوير الواقع، في مجتمعات لا تعلي كثيرا من أهمية الفن.

ويتوقف العيسة -الحاصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام ٢٠١٥ عن روايته "مجانين بيت لحم"- عند مصطلح الإبداع العربي، ليقول إنه مفهوم فضفاض، ويقترح مقابله "إبداعات عربية" في ظل مشهد ليبرالي إبداعي غير قادر على تقديم البديل في غابات القبائل العسكرية والعشائرية والحزبية.

وفي ما يلي نص الحوار:

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

تعاني بلادنا من معضلات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وتربوية، وأخرى تتعلق بالهويات، والمستقبل وغيرها من معضلات، ولم تكن الأنظمة، المتسببة في كل ذلك أو جزء منه، قادرة على تقديم أية حلول، وكان من الطبيعي توقع أنه لا يمكن أن تستمر الأوضاع عما عليه، وهذا ما لمسته شخصيا لدى زيارتي لمصر وسوريا.
 
وكما يمكن أن نتذكر أن التحركات رفعت في البداية شعارات إصلاحية، ولكن بطش الأنظمة، وإغلاق الطرق أمام أية نوافذ أمل أدت إلى ثورات الربيع العربي. كان من المستحيل أن تستمر الأوضاع كما كانت عليه.

 إلى أي حدٍّ تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

من الصعب الحديث عن دور مباشر للإبداع في تثوير الواقع، في مجتمعات لا تعلي كثيرا من أهمية الفن، إضافة إلى شيوع النماذج "الإبداعية" الرسمية التي يمكن أن تصل عبر وسائط الإعلام الرسمي، بشكل أوسع بما لا يقاس بما يمكن تسميته الإعلام البديل.
 
ثورات الربيع العربي انطلقت في مواجهة البنى القائمة بما في ذلك تجلياتها الإعلامية والإبداعية، كما رأينا مثلا في "استهداف" التلفزيون المصري من قبل المنتفضين.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

علينا الاعتراف بأن الربيع العربي أتى في ظروف كانت الأنظمة، خلالها، قد قطعت أشواطا في تدجين المثقفين، مما أدى إلى غياب مفهوم المثقف كسلطة مستقلة، وكضمير، لهذا السبب لم يكن غريبا أن ينتج "الربيعيون"، وبسرعة، أصواتا تعبر عنهم، تواكب ما يحدث في ساحات الحرية، كما خبرنا ذلك في التجارب المصرية، والسورية، واليمنية.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

لا ثورات دون مرجعيات ثقافية، وما حصل في الربيع العربي أنه أتى في ظل سقوط المشاريع العربية كافة، ولم ينجح في إنتاج مرجعيات ثقافية قادرة على إحداث ثورات ثقافية مواكبة، ولم يكن لدى "الربيعيين" ما يعدون به الناس في ما يخص المرأة، والطفل، والأقليات، والاقتصاد، والتعايش مع الآخر؛ لذا كان واضحا أن الثورات المضادة ستكون قادرة على إيقاع الهزائم، وهو ما حدث مثلا في النموذج المصري.

على أي مدى (متوسط، بعيد، ...) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية...) ستتحقق على أرض الواقع؟

هذه الشعارات ليست أول مرة ترفع، ووصل رافعوها إلى سدة الحكم في أكثر من بلد عربي، وبعد خمسة عقود يمكننا أن نلمس النتيجة، مزيدا من الدمار والقتل، والقهر.

نحتاج إلى تطبيق المفاهيم التي بدونها لا تأخذ الدولة معنى الدولة، فصل السلطات، والانتقال من قبائل السيف بمسمياتها المختلفة إلى آفاق الليبرالية والديمقراطية الحقيقية التي لا يكون فيها للعسكر، والأيديولوجيات، إلا الحدود الوظائفية.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

الإبداع العربي مفهوم فضفاض، لدينا "إبداعات عربية" ما زال المشهد الليبرالي الإبداعي غير قادر على تقديم البديل في غابات القبائل العسكرية والعشائرية والحزبية.

المصدر : الجزيرة