المحفوظ فضيلي

في الحلقة الرابعة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نقف مع الأكاديمي والكاتب اللبناني شربل داغر عند تخوم تسمية "الربيع العربي" وما تنطوي عليه من سوء فهم ومبالغة في التأويل والحلم.

إذ يرى خريج جامعة السوربون الذي ألف عشرات الكتب في النقد والشعر والسرد، أن الحراك العربي -الذي لا يرقى إلى ثورة- كان متوقعا إلى حد ما خاصة في الحالة المصرية، لكنه يتعذر على المحللين استشراف مآل وتدافعات هذا الحراك، قائلا إنه "مفتوح على عنف شديد".

وعن دور المبدعين في ذلك الحراك، يعترف شربل داغر أنه كان لبعض المثقفين وناشطي الجمعيات دور أكيد في إطلاق أوجه كثيرة منه، وأن هؤلاء كانوا ضحاياه الأوائل، ويبقى لهم في نظره شيء من الفعالية، لا سيما في تونس ومصر وبيروت.

وفي ما يأتي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

     شاءت صدف الحياة والسفر أنني كنت في تونس، ثم في القاهرة، قبل أسابيع قليلة من اندلاع الربيع العربي... إلا أن هذا الربيع بدأ في الشتاء واقعا!

وإذا كنت قد توقعت -منذ سنوات قبل ذلك- "انفجار" الوضع في مصر، فإنني كنت أعتقد في المقابل أن قوة النظام البوليسي في تونس قادرة -مثلما كانت تفعل في السابق- على اللجم والضبط. لكنني ما لبثت أن رأيت، بعد شهور معدودة من اندلاع هذا الحراك في أكثر من بلد عربي -في حوار طويل مع موقعكم الإلكتروني- أن الحراك الجاري لا "يرقى إلى الثورة" أبدا، وأن فئات مهمشة في قاع المجتمعات العربية ستدير الصراع بنفسها، طالما أن الدكتاتوريات العربية لم تُبقِ، في سابق حكمها وتسلطها، سوى ثقافة "استعمالية" وميسَّرة للدين، وتتنزل خصوصا في بنية اجتماعية تقليدية للغاية. هذا ما جعل أفق الحراك مسدودا بالتالي، وعرضة لتلاعبات محلية ودولية مديدة، مما يجعل البعض "يتحسر" اليوم عما كان، ولا يحسن بالمقابل تدبير سبل الخروج من هذه الحروب الأهلية المندلعة أينما كان.

 إلى أي حدٍّ تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

     إذا كان لبعض المثقفين وناشطي الجمعيات دور أكيد في إطلاق أوجه كثيرة من هذا الحراك، فإن هؤلاء كانوا ضحاياه الأوائل، وإن يبقى لهم -لا سيما في تونس ومصر وبيروت- شيء من الفعالية. ومن يَعُد إلى حاصل الحراك الثقافي والسياسي العربي منذ نهاية السبعينيات في القرن الماضي يتحقق -مثلما كتبتُ في حينها- من "أسلمة" المشهد الاجتماعي بأوجهه الثقافية والسياسية وغيرها، إذ لم تَعنِ هذه "الأسلمة" سوى التحكم الشديد -وبأيسر السبل- بفئات مهمشة وإدخالها في السياسة، فيما كانت قد تكفلت أنظمة الاستبداد حينها بإبعاد ثقافة "النهضة" كما "الحداثة" ومحاصرتها.

ومن طلبَ العودة إلى ما قبل ذلك، إلى العقود التي تلت الحكم الأجنبي في بلادنا المختلفة، يتحقق من أننا -بدعوى النضال ضد الاستعمار، وإسرائيل، ومشروعات الهيمنة الخارجية- أنتجنا مشاريع تسلط على قوى المجتمع، مخابراتية خصوصا، من جهة، أو مشاريع تسلط تديرها مليشيات محلية، من جهة ثانية. هكذا جرى التشبه بالغرب الظافر باستعمال "تكنولوجيا" التحديث، وهو ما يظهر حتى عند التنظيمات العنفية، فيما جرى إسقاط، بل معاداة ثقافة الحداثة التي قام عليها الظفر الغربي. فما انتبهوا -والحالة هذه- إلى أسباب الصلة، إلى أسباب القوة، بين تكنولوجيا التحديث وثقافة الحداثة.

 

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

    أتت مواقف المبدعين العرب مواكبة للحراك، وبعض الشباب منهم كانت له أدوار لافتة في مستهل الحراك، ثم عادوا من جديد إلى العتمة السابقة، بينما وقف عدد من المبدعين العرب حذرا من هذا الحراك، طالما أنه واقع حكما في الحروب الأهلية المستورة، ثم المعلنة. ومن طلب التعرف على آثار الحراك العربي في الإبداع عليه العودة خصوصا إلى الروايات في السنوات الثلاث الأخيرة، إذ ترسم الكثير من أحوال العنف والبؤس ومن تبدد الأمل العربي: مقابل "الانتحاري" العربي يتوجب البحث اليوم عن "المهاجر" العربي...

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

    يؤسفني القول إنني لم أعرف تلك النشوة، بل من يَعُد إلى عدد من كتاباتي، ومنها قصائدي في مجموعتين شعريتين أخيرتين، يتحقق من كونها تتحدث عن "دمى فاجرة"، وفق عنوان مجموعتي الشعرية الأخيرة. ومن يَعُد كذلك إلى روايتي الأخيرة، "شهوة الترجمان"، يتحقق كذلك من أن الشخصية الأساسية فيها -التي عايشت في بيروت ملامح الحراك العربي قبل غيرها من المدن العربية، ابتداء من العام 2005- ستنتهي إلى الرحيل عن بلدها، من دون أن يتمسك بها الوالدان.

أرض الحراك العربي باتت في جانب كبير منها ميدان حرب، ميدان نفوذ لقوى دولية وأخرى إقليمية، فيما يبدو "الداخل" العربي مسرحا ووقودا لها، وهي قد تنتهي -في أحسن الأحوال- إلى "تفاهمات" دولية وإقليمية، قبل أن تعني نجاحات لتطلعات ومشروعات سياسية محلية.

لهذا لا أرى أن هذا الصراع المديد والمفتوح سيحمل في جوانبه شعارات وتطلعات الحراك الأولى، مثل الديمقراطية والعدالة والحداثة وغيرها، وإنما أجد أن هذا الصراع سينتهي -إذ يتوقف- إلى بلورة تقاطيع جديدة للدول العربية القائمة، سيكون شاغلها الأول تمكينَ العنف من أحوال المجتمع، فضلا عن قسمة نفوذ متعاظمة، دولية وإقليمية، في هذه الدول.

على أي مدى (متوسط، بعيد...) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية...) ستتحقق على أرض الواقع؟

أرض الحراك العربي باتت في جانب كبير منها ميدان حرب، ميدان نفوذ لقوى دولية وأخرى إقليمية، فيما يبدو "الداخل" العربي مسرحا ووقودا لها، وهي قد تنتهي إلى "تفاهمات" دولية وإقليمية، قبل أن تعني نجاحات لتطلعات ومشروعات سياسية محلية

   لا يقوى المحلل على استشراف تدافعات هذا الحراك، لأنه مفتوح على عنف شديد، مما يتخطى قدرة القوى المحلية أساسا، وما يجعلها في جميع الأحوال ضعيفة في نهاية الأمر: إنها وقود الحروب الدائرة، لدرجة أن المطالبة بإيقافها، وأيا كان عامل إيقافها، أفضل من الاستمرار فيها لدى فئات واسعة من الناس، ممن يعودون إلى رشدهم لا إلى أهوائهم.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

   أرى أن أهداف الحراك مؤجلة مرة أخرى، طالما أن العائق الأساسي في النهوض العربي لا يزال ماثلاً في سنده الاجتماعي المولد له. فما يحرك مجتمعاتنا يبقى متعينا في بنية اجتماعية تقليدية تشدها أواصر المذهبية والقبلية والانشدادات المناطقية والجهوية، أكثر مما تحركها وتنشطها مشروعات الأحزاب والنقابات، أو الديمقراطية وتداول السلطة وتوزيع الثروة وغيرها.

وهو ما أظهرته التجربة التونسية في الحراك، التي عرفت بعض النجاح بالمقارنة مع غيرها، إذ بقيت تستند إلى إرث البورقيبية من جهة، وتفاعلت، من جهة أخرى، مع قوى سياسية ونقابية على درجات من التنظيم والفعالية. ذلك لأن ثقافة الغلبة -لا ثقافة التسوية والتناوب على السلطة- هي التي تحرك مشروعات السياسة، مما لا يولد بالتالي إلا الحروب الأهلية، المستورة أو المندلعة.

مرة جديدة نتأكد من أننا لا نحسن بناء مفهوم للشرعية يتم التوافق عليه، ولا نحسن الدخول إلى العالم وفق ما هو عليه بأحواله ومعطياته... فما ينتبه إليه الناظر هو أن "ضغط" الأزمنة الحديثة (من الحداثة إلى العولمة) لا يتجنبنا أبدا بطبيعة الحال، بل الأكيد هو أن قوى فينا تولد هجمات مضادة لهذا الضغط، فيما تفتقر إلى أبسط شروط النجاح، عدا أن كلفتها التدميرية الهائلة تصيب مجتمعاتها المحلية في المقام الأول.

الصراع يدور على الغلبة، وبأيسر وسائل التحكم بالجمهور، ولا يدور حول أهداف المجتمع في السعادة والشرعية والحكم الرشيد وغيرها.

المصدر : الجزيرة