هيثم حسين

يفتح الإريتري عبد القادر مسلم في روايته "أزمارينو" أوراق الذاكرة، لينبش في التاريخ الحديث لبلاده أثناء مناهضة الاحتلال الإثيوبي وحرب الاستقلال، وكيف أن أصدقاء السلاح من الثوار الذين كانوا يحاربون جنبا إلى جنب في الخنادق تحولوا إلى أعداء بمجرد استلام السلطة، وقاموا بتصفيات من شأنها توطيد أركان السلطة التي زعمت تمثيل الثورة، ورفعت شعارات الديمقراطية، في حين دخلت في معمعة الاستبداد ونفق الطغيان.

يحكي مسلم في روايته (مدارك، دبي، 2015) رحلة أحد المحاربين القدماء في حرب التحرير وهروبه من بلده إلى أوروبا، ومعاناته أثناء رحلته في الصحارى وصولا إلى الشواطئ الليبية التي أبحر منها إلى إيطاليا على متن قوارب الموت برفقة عشرات من الشبان الإريتريين الذين أصبحوا طعما للأسماك بعد أن غرق قاربهم، وكان الناجي الوحيد هو المحارب الخمسيني الذي اتهم بأنه المهرب الذي يتاجر بالبشر.

يحاول مسلم الغوص في القرن الأفريقي ليرسم مشاهد لأبنائه المكتوين بنيران الاستعمار ومن بعده الاستبداد، ورحلتهم من نار الحرب إلى صقيع الغربة، ومحنتهم المتجددة في البحث عن ملاذ آمن وهدوء مفترض، في حين يعانون الكثير ليصلوا إلى بر الأمان الذي لا يكون لهم مجسدا اسمه معناه، بل يكون شاطئا آخر من شواطئ القهر والأسى والمعاناة.

لغة السلاح لا تزال سائدة في المشهد الإريتري حتى بعد إنهاء فصل مناهضة الاحتلال الإثيوبي (الفرنسية-أرشيف)

أحلام الوطن
"أزمارينو" هو اللقب الذي يطلق على لاجئ إريتري في إيطاليا، ويشتهر به حتى يصبح له اسما يعرف به، فالمحارب الذي خابت آماله يقع فريسة خيبات متلاحقة، يقرر إنقاذ نفسه بالعودة إلى دائرة النار التي هرب منها، ويسعى للمواجهة بطريقة واعية، لكن ما الذي يخبئه له الواقع، ولا سيما أن المعطيات ما زالت هي نفسها من دون أي تغيير، فضلا عن أن مؤشرات الربيع العربي التي اجتاحت عدة دول عربية وأحدثت تغييرا كبيرا فيها لم تطل بلاده التي ظلت بمنأى عنها.

يحاول النجاة بذاكرته وأحلامه ببناء وطن حر تسوده الديمقراطية واحترام الإنسان، في الوقت الذي انقلب فيه رفاق السلاح بعضهم على بعض، ولم يرض أن ينغمس في حرب الإخوة، ولا تلطيخ يديه بالدماء، فآثر الهروب بماضيه وحياته عساه يساهم بإيصال أصوات بعض من شعبه، لكن الخلاص الفردي لا يحمل له أية راحة، بل تراه يقع في براثن محاكمات وادعاءات تحاول تجريمه وإدانته، فيضطر لاستعراض محطات من ماضيه ليدافع عن نفسه، ويبدد اتهامات المتاجرة بالبشر عنه.

يعتبر الراوي نفسه وصيا على حكايات من عايشهم وعاصرهم وشهد معاناتهم، والمؤتمن على أسرارهم والشاهد على مراراتهم وعذاباتهم وخيباتهم، تراه يؤنب نفسه، يستذكر عددا من معارفه وأصدقائه، يقتفي مصائرهم، يتألم لما آلت إليه الأحوال.

ينوه الروائي إلى اقتناع بطله بأن بلاد الهجرة لا تصبح بديلا عن الوطن، وتراه يختم بإعادة بطله إلى وطنه، رغم أن قراره مفاجئ ولا يبدو مبررا بما فيه الكفاية، لكنه يقرر تحمل الأذى المرتقب

أحلام ثورية
يعقد مسلم نوعا من المقارنة بين الوطن والمهجر، وواقع اضطرار اللاجئ إلى المغامرة بحياته من أجل الحظوة بحياة أفضل، والتنعم بشيء من الأمان والاستقرار اللذين حرم منهما في وطنه، رسم محكمة لا تخلو من صور ممعنة في الإيلام للاجئ، إذ يطالب المدعي بإدانته على إجرامه ومسعاه لتشويه بلاده المتحضرة ومتاجرته بأبناء بلده ومعاناتهم، في حين تكون محاماة المتهم مرافعة عن نفسه وعن اللاجئين الذي يخوضون غمار الموت بحثا عن حياة كريمة.

يشير مسلم إلى أن الوطن الذي يضيق بأبنائه الذين ضحوا بحيواتهم ودمائهم من أجله يدفعهم إلى الهجرة عنه، والبحث عن ملاذات آمنة، بينما يظلون مسكونين بكل تفاصيل وطنهم، ويسعون في حلهم وترحالهم إلى إعلاء كلمته، وتحسين صورته أمام الآخرين، وكيف تناوبت عليهم فترات عتمة بالموازاة مع فترات إشراق وانتعاش.

يصور مدينة أسمرة التي تعد عروس المدن في إريتريا، وانتقالها من مرحلة الانفتاح الذي وسمها وطبعها إلى الانغلاق رويدا رويدا، وتحولها إلى مدينة طاردة لأبنائها، ناهيك عن طردها لأولئك الذي اختاروها سكنا لهم لما تمتاز به من جاذبية وتعايش، ويلفت إلى تأثرها الشديد بالواقع السياسي والعسكري المفروض عليها، وانقلابها من مدينة مفتوحة على مختلف التيارات إلى ثكنة مسورة بالرعب والخيبة والخذلان.

ينوه الروائي إلى اقتناع بطله أن بلاد الهجرة لا تصبح بديلا عن الوطن، وتراه يختم بإعادة بطله إلى وطنه، رغم أن قراره لا يبدو مبررا بما فيه الكفاية ومفاجئا، إلا أنه يقرر تحمل الأذى المرتقَب، ويقوم بالتعويل على أحلام ثورية طفولية بريئة لاستنهاض الهمم والدفع إلى ثورة على النظام، وتوعية الأبناء بتضحيات آبائهم والجيل السابق عليهم، ودورهم في تحقيق استقلال الوطن وتحريرهم من ربقة المستعمرين.

في الجانب الفني يظهر تأثر مسلم بمواطنه الإريتري حجي جابر في روايته الأولى "سمراويت"، إذ يعتمد بناء الفصول على مقطع شعري استهلالي منتقى، كذلك يكون البناء على اللغة الشعرية التي تتغنى بالمدينة وأهلها، والتاريخ وبعض مراحله المؤثرة، وهجاء الواقع الراهن والسعي لتغييره عبر تثوير رغبة الحلم لدى الإريتريين أنفسهم وتذكيرهم بطريقهم المفعم بالتضحيات إلى حريتهم الموعودة.

المصدر : الجزيرة