المحفوظ فضيلي

في الحلقة الثالثة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، لا يتردد الكاتب العراقي -المقيم في إسبانيا- محسن الرملي في القول إنه كان يتوقع انتفاضات الربيع العربي، ولكن ليس بالشكل الذي حدث تماما.

وعن مآلات ذلك الربيع وما شابه من انتكاسات، يرى الرملي -الذي ولد عام 1967 شمال العراق وانتقل للعيش في إسبانيا عام 1995- أن الشعوب العربية تمضي إلى مواجهة نفسها بشكلها الحقيقي لأول مرة في التاريخ، مواجهة حقيقية عارية لا تغطيها الشعارات.

وعن دور المبدعين والكتاب في الربيع العربي، يقول الروائي والمترجم والأكاديمي العراقي إن دورهم بشكل عام كان إيجابياً، قبل وأثناء وبعد الربيع العربي، باستثناء حالات فردية لبعض المثقفين الذين تعاملوا مع الأمر بحسابات ومصالح شخصية آنية لا تخفى على المتابع.

وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

نعم، وإن لم يكن بالشكل الذي حدث تماماً، لأن القارئ للتاريخ وتطورات الأحداث، يعرف أنه من البديهي أن الضغط سيولد الانفجار، والبلدان التي حدثت فيها الثورات كانت تعاني ضغوطاً على مدى عقود، وسبق للعراق الذي كان يعاني من أشد الدكتاتوريات بطشاً أن حدثت فيه انتفاضة شعبية عام 1991 وكنت شاهداً عليها.

إلى أي حد تعتقدون بأن الإبداع العربي لعب دورا، أو لم يلعب أي دور، في ذلك الربيع؟

العمل الثقافي عموما، ومنه الإبداع، يكون فعله بطيئاً، لكنه راسخ وليس كالعمل السياسي أو الاقتصادي الذي يكون أثره مباشراً، لذا أرى أن الإبداع العربي قد كان له دور في أنه كان ينطوي على بذرة الوعي والتوعية، فأغلب النتاج الإبداعي والثقافي على امتداد القرن العشرين وحتى اليوم كان يتناول في أطروحاته مواضيع سياسية، واصفاً ومحتجاً ضد القمع والظلم والفقر والتخلف، وداعياً إلى الحرية والعدالة والنهوض.

ولاشك أن ذلك قد شكّل تراكماً معرفياً في توعية متلقيه، وقد لاحظنا أن الذين أطلقوا حراك الربيع العربي في بدايته كانوا من الشباب المتعلمين الذين استخدموا القصائد والأغاني والرسم في التعبير عن أنفسهم، وكان أشهر ما رددوه هو بيت شعري للشابي: "إذا الشعب يوماً أراد الحياة..."، وكان هتافهم بمثابة إجابة واستجابة له: "الشعب يريد...".

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

بشكل عام، أرى أنه كان إيجابياً، قبل وأثناء وبعد الربيع العربي، باستثناء حالات فردية لبعض المثقفين الذين تعاملوا مع الأمر بحسابات ومصالح شخصية آنية لا تخفى على المتابع. كان المبدعون العرب عموماً في طليعة الذين عانوا من التضييق والمطاردة والتجويع والقمع والسجون والتعذيب والنفي أو القتل في سبيل حرية شعوبهم، حتى قبل أن تنتفض هذه الشعوب، لقد دافعوا عن شعوبهم على الرغم من أن شعوبهم لم تدافع عنهم عندما، كانوا يواجهون السلطات منفردين.

كما كانوا في طليعة المؤيدين لهذه الثورات والمشاركين فيها، على الرغم من أنهم أضعف الناس من حيث إمكانياتهم المادية والجسدية والسلطوية، وشاركوا على الرغم من أنهم غير مطالبين بمشاركة مادية ملموسة كما هو مطلوب من العسكري والسياسي والعامل والفلاح وغيره، لأن أداة المبدع هي إبداعه وموقفه وحسب.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

نعم، ولكن إذا أردنا النظر إلى الجانب الإيجابي فسنجد أنه قد أحدث تغييراً فعلاً، وأبرز ما فيه أنه كسر حاجز الخوف المرعب الذي كان يبدو له من قبل مستحيل الزحزحة. والآن نرى أن الشعوب العربية تمضي إلى مواجهة نفسها بشكلها الحقيقي لأول مرة في التاريخ، مواجهة حقيقية عارية لا تغطيها الشعارات ولا النظريات ولا التغني ولا الأكاذيب، مواجهة مع النفس ومع الآخر بلا أي تزييف ولا مجاملات ولا أي خداع للذات.

إنها تنزف الآن بشكل مؤلم جداً، ولكن من بين هذا النزيف يخرج القيح المتراكم والكراهية والتناقضات وغيرها. إنها في حالة تشريح سريري وإجراء عملية جراحية لذاتها؛ فإما أن تشفي نفسها أو تنتحر، وأنا أميل أو أفضل التفاؤل رغم إيماني العميق بالتشاؤم الوجودي، ذلك أنني أتمنى وأريد وأعمل لانتصار الحياة في النهاية وانتصار هذه الشعوب الطيبة وما فيها من خير وحق وجمال.

على أي مدى (متوسط، بعيد، ...) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية، ...) ستتحقق على أرض الواقع؟

كان المبدعون العرب عموماً في طليعة الذين عانوا من التضييق والمطاردة والتجويع والقمع والسجون والتعذيب والنفي أو القتل في سبيل حرية شعوبهم

ربما على المدى المتوسط، فأوروبا مرت بالحروب عشرات الأعوام لكي تصل إلى ما وصلت إليه، والثورة الفرنسية احتاجت إلى نحو عقد من الزمن لتحقيق أهدافها، وبلدان أميركا اللاتينية لا زالت الديمقراطية فيها تتعثر أحياناً، لكنها سائرة في الطريق.

وهكذا، فإن حال الشعوب العربية كحال بقية الشعوب، ستحتاج مزيداً من الوقت والمخاضات لنيل مطالبها، خاصة أن الدكتاتوريات المتراكمة التي أزاحتها وفي طريقها لإزاحتها لم تكن سهلة، لكنها متجذرة في كل شيء تقريباً.

إنه لمن المؤسف أن يكون ثمن ما هو حق طبيعي كالحرية والكرامة والعدالة باهظاً إلى هذا الحد، ولكن هذا هو واقع الحال ومنطق التاريخ، ولا بد من مواجهته ودفع الثمن.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

ليس بالمستوى المطلوب، وبما يتناسب وحجم الحدث، ولذلك أسبابه المنطقية، والتي منها أن وسائل القوة المؤثرة مباشرة ليست بيد المبدعين، وأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية العسيرة التي تمر بها المنطقة عموما تضر بحجم ونوع وطبيعة فاعلية إيصال نتاجهم وأفكارهم، وأن العالم اليوم بمجمله يفتقر إلى أفكار وفلسفات جديدة، لذا يتم الاكتفاء بالعمل على مناقشة وتكييف وتطوير ما هو موجود من تجارب وأطروحات وأفكار كمسألة الديمقراطية والحقوق وغيرهما.

المصدر : الجزيرة