المحفوظ فضيلي

في الحلقة الثانية من حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، لا تتردد الكاتبة السورية هيفاء بيطار في الإقرار بأنها كانت تتوقع الربيع العربي، وتعبّر عن اقتناعها العميق بأن الربيع العربي سيحقق أهدافه بعد عقود من التوق للحرية والعدالة.

وترى بيطار، وهي طبية عيون وألفت 11 عملا روائيا و14 مجموعة قصصية، أن الإبداع العربي لعب دورا ضئيلا وهامشيا في اندلاع ثورات الربيع العربي، وأهم ميزات هذا الربيع -في نظرها- أنه أسقط ورقة التوت عمن يحلو لها تسميتهم بالمثقفين المقاولين.

في ما يلي نص الحوار:

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

    بالطبع كنت أتوقع اندلاع الربيع العربي بكل جوارحي كملايين من السوريين، خاصة أن سوريا كانت جثة ولم يكن يجرؤ أحد أن يقول كلمة لا. الكل يجهر غصبا عنه: نعم نعم.

   كان المجتمع السوري يملك كل مقومات الثورة من الإحساس بانعدام الكرامة والخوف لحد الذعر من تسلط الأجهزة الأمنية، وفساد القضاء لدرجة رهيبة، والبطالة والفقر والمحسوبيات، ووجود فئة فوق القانون تسرق البلاد والعباد ولا يحاسبها أحد، والسجون التي تغص بالأحرار من معتقلي الرأي وأغلبهم شبان سُجنوا بين عشرة وعشرين عاما، بل بعضهم سُجن إخوته لأنه لم يش بأخيه! أي المطلوب من المواطن السوري أن يكون أشبه بيهوذا الذي أسلم المسيح للصلب.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟ وكيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

   أظن أن الإبداع العربي لعب دورا "ضئيلا" و"هامشيا" في اندلاع ثورات الربيع العربي. فقد التزم جزء كبير من المثقفين جريمة الصمت ولم يكونوا مستعدين لدفع أدنى ثمن لما يدعونه من مبادئ وإيمان بحقوق الإنسان، ومعظمهم هرب إلى الخارج وارتهن لجهات عربية وإقليمية، واعتقد أن بإمكانه أن يخدع الشعب الثائر بعبارات طنانة ولغة منمقة متخشبة.

   وبعض هؤلاء المثقفين وقف إلى جانب الأنظمة المستبدة ممتطيا كذبة محاربة الإرهاب, وحلوا ضيوفا على فضائيات عدة ولم يخسروا شيئا، فهم يتكلمون بالعموميات بحق الشعب في الحرية والكرامة ويذرفون دموع التماسيح على شهداء الوطن ويقبضون من الفضائيات والجهات التي يتبعونها.

   بل إن بعض المثقفين أراد -ولم يستطع أن ينتظر- تقاسم الكعكة وأصدر على عجل روايات قمة في الرداءة والكذب والنفاق معتقدا أنه سيتمكن من خداع القراء وأنه كتب رواية تماشي الربيع العربي، وللأسف فإن أهم الدوريات الثقافية طبعت روايات هؤلاء الكتاب المقاولين على أنها روايات هامة.

   لكن أهم ميزات الربيع العربي أنه أسقط ورقة التوت عن هؤلاء المنافقين، المثقفين المقاولين كما يحلو لي تسميتهم. وأدرك كل القراء مدى كذبهم وانحطاطهم الأخلاقي وغايتهم الوحيدة أن يحصدوا شهرة من نوع "ارفعني ولو على خازوق".

   القلة القليلة من الكتاب ارتضوا أن يكونوا وقودا للربيع العربي، وأن ينخرطوا في الثورات الرائعة "رغم أنها شُوهت وسُرقت" وكتبوا روايات وشهادات مثل خالد خليفة "لا سكاكين في مطابخ المدينة" وفواز حداد "السوريون الأعداء" ومثل كتابي "وجوه من الثورة السورية" الذي وثقت فيه شهادات سوريين بالأسماء الحقيقية مؤمنة أن واجبي أن أكون شاهدة عصر أنقل بشفافية ونزاهة مأساة شعبي، وساعدني عملي في مستشفى حكومي كي أرى بأم عيني حالات مروعة من الانتهاكات لحقوق الإنسان والمآسي.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

   الربيع العربي تعثر كثيرا، وثمة قوى ودول إقليمية وعالمية لا تريده أن ينجح، الإعلام لعب دورا سلبيا جدا في تشويه صورة الربيع العربي ووصف الثوار بالمرتزقة وبأنهم يقبضون أموالا ليخرجوا في مظاهرات، قد تكون هذه الظاهرة موجودة لكن بنسبة محدودة جدا.

  فكما ذكرت المجتمعات العربية تملك كل مقومات الثورة، وتعاني من أنظمة استبدادية كتمت أنفاس الناس لعقود وسرقت البلاد ويكفي أن ننقب عن ثروة كل حاكم وأسرته لنعرف أي ظلم فظيع تخضع له الشعوب العربية.

  لكنني مؤمنة أن ثورة الشعب العربي أو الربيع العربي لا يمكنها أن توأد أو تتراجع مهما تعثرت لأنها كالمارد الذي خرج من القمقم، لم يعد لدى الناس ما يخشونه، فمن يذق طعم الحرية والكرامة ولو لمرة واحدة فقط لا يستطيع التراجع أو التخندق في شرنقة الصمت والخوف مهما حاولت أنظمة الاستبداد تخويف الناس من القادم المتطرف.

   كما لو أن على الشعوب العربية أن تختار بين الرمد والعمى. ونحن نريد عينين سليمتين تريان عشرة من عشرة. ونؤمن أننا نستحق نظام حكم عادلا، والأهم يمثلنا. في سوريا مثلا، لا أحد يمثل الشعب السوري لا المعارضات المختلفة المتناحرة ولا النظام.

على أي مدى (متوسط، بعيد...) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية...) ستتحقق على أرض الواقع؟

لكنني مؤمنة بأن ثورة الشعب العربي أو الربيع العربي لا يمكنها أن توأد أو تتراجع مهما تعثرت لأنها كالمارد الذي خرج من القمقم، لم يعد لدى الناس ما يخشونه، فمن يذق طعم الحرية والكرامة ولو لمرة واحدة فقط لا يستطيع التراجع..

    لا أستطيع أن أقدر زمنا لتتحقق فيه أهداف الربيع العربي من حرية ومساواة وكرامة ومحاربة للفساد، خاصة أن الحل لم يعد بيد الشعوب العربية، بل بأيدي الدول العظمى في الإرهاب. لنأخذ مثلا وطني سوريا، لم تبق دولة إلا وغمست يدها في الشأن السوري حتى إنهم يقيمون مؤتمرات وندوات عن سوريا لا يُشارك فيها سوريون.

   والشعب السوري نزح أكثر من ثلثه ومات منه مئات الآلاف ومعظم أطفاله لا يتلقون التعليم. أمام هذا الواقع من القتل اليومي ومن الدمار للبلاد والموت للعباد يبدو الحلم الوردي للربيع العربي بعيدا، لكنه غير مستحيل.

   ومن يقرأ ما يكتبه شبان بعمر الورود على فيسبوك أو مواقع التواصل الاجتماعي يدرك أي جيل ثائر لم يعد ولا بأي شكل من الأشكال يقبل ما صمت عنه أهلهم. والمثل الأعلى للتربية الذي كان سائدا "الحيط الحيط ويا رب السترة"، الآن كل جدران الخوف حطمها شباب وشابات الربيع العربي، وهم من سيبنون مستقبل أوطانهم.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

    بالتأكيد راكم الربيع العربي كما هائلا من التصورات لمستقبل تحكمه القيم الإنسانية من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية ومحاربة الفساد. وكما يُقال الحق يحررنا، ومن اكتشف الحق بطاقته المحررة لن يهزمه شيء مهما اشتدت آلة الموت أو التخويف.

   آخذ نفسي كمقياس لمواطنة سورية، كنت فيما مضى أكتب بطريقة مواربة خوفا من الأجهزة الأمنية التي حاربتني وأزعجتني مرارا ومنعتني من السفر. الآن أكتب كتابا أترك فيه أسماء الشبان السوريين الذين ماتوا في المعتقلات كما هي مثل إسماعيل زرطيط وغيره وكذلك الضحايا بمئات الألوف من شبان الجيش العربي السوري الذين زجوا في حرب لا يريدونها وماتوا وهم يتوقون للحياة والحب والعيش.

   لم أعد أخف لأنني بكل بساطة قرفت من الخوف ولم أعد أبالي بنصائح أصدقائي بألا أكتب مقالات جريئة وخطرة. فحين تتفجر ثورة الحرية والكرامة في الروح لا تستطيع كل قوى القمع والاستبداد إيقافها.

  الربيع العربي سيحقق أهدافه بكل تأكيد لأنه راكم طوال عقود توقا لا متناهيا للحرية والعدالة والعيش الكريم ولأن أبسط وأكثر عبارة نسمعها من الأولاد تجاه آبائهم: لا نريد أن نعيش مثلكم خائفين ومذلولين. ثورة الربيع العربي ثورة حقيقية سوف تؤتي ثمارها مهما تأخرت وتعثرت.

المصدر : الجزيرة