المحفوظ فضيلي

في أولى حلقات "الكتّاب العرب والربيع العربي" نقف مع الروائي والناقد التونسي شكري المبخوت للتساؤل عن مسار هذا الربيع، بدءا من تلك اللحظة التي بدت له "شعرية مكثفة" في 14 يناير 2011 عندما لاحت في الأفق نهاية القوس الأمني في تونس بإعلان فرار الرئيس زين العابدين بن علي.

ورغم كل الانكسارات والارتدادات التي طبعت مسار ذلك الحلم العربي، يبدو المبخوت متشبثا بحبل الأمل، خاصة في بلده تونس، لكنه يرى عموما أنّه لا يمكن الحديث عن مآل الرّبيع العربيّ في غياب الدّولة والقانون بمعنييهما الحديث، فهما شرط المواطنة، ليخلص إلى أن "هنا تحديدًا يكمن مأزق الرّبيع العربيّ الذي لن يخرج منه للأسف في المدى المنظور على الأقل".

للإشارة فإن المبخوت -الذي رأى النور عام 1962- هو أول كاتب تونسي يفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" عن روايته "الطلياني" (2015) التي تناول فيها حقبة من التاريخ التونسي الحديث، وعكس فيها حياة طالب يساري سمّاه عبد الناصر الطلياني، جسد من خلاله طموحات جيله وخيباته في فترة عرفت صراعا أيديولوجيا بين اليساريين والإسلاميين.

وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

    ما كان ثابتًا في الذّهن والعيان هو ليلٌ من الاستبداد طويلٌ انسدّت معه الآفاق وعمّت خلاله حالة من الاحتقان، فحتى الذين كانوا يقتاتون من مائدة الجنرال فُتاتَها كانوا على قلق. كان ثمّة شيء ما يعتمل، خميرة ما لتغيير قد يأتي وقد لا يأتي، أمّا الأشكال والسّرعة والمدى فلا أظنّ أن أحدًا توقّعها. هكذا هي الثّورات لحظات إشراق لا نرى مقدّماتها ويعسر التكهّن بها، المهمّ أنّ الناظر بعد أن وقع كلّ شيء يتأكّد من أنّ حركة التاريخ والتغيير لا تتوقّف وإن شبّه لنا.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

   يصعب الحديث عن دور مباشر. وليس من مهمّة الإبداع أن يكون كذلك. ولكن إذا أخذنا نماذج عديدة من الإبداع المسرحيّ أو السّينمائيّ أو الأدبيّ مثلاً في تونس (وربّما في العالم العربيّ كلّه) نستطيع أن نرى اليوم بشكل أوضح دور تلك النماذج في بلورة حساسيّة ثقافيّة جديدة رسّخت مفاهيم عميقة للحرّية الفرديّة ومفردات المدنيّة. فقد صنعت لغة حديثة لمقاربة الواقع بكلّ تعقيداته فالتقت مع تشوّف النّاس إلى الحرّية. علينا ألاّ ننسى أنّ للثّورات والاحتجاجات ذاكرة ثقافيّة ليست واضحة شفّافة بالضّرورة.

الطلياني (الجزيرة)

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

     ليس للمبدع، حين تسير الجموع في طريق ملتوية متعرّجة مبهمة الأفق، إلاّ أن يعبّر عن موقفه بصفته مواطنًا. لم يعد المبدع هاديًا ولا مرشدًا. انتهى عهد الأنبياء وإن لم ينته واجب الالتزام بأوجاع الناس وقضاياهم بحسب قوانين الجمال وقواعد الفنّ والإبداع.

وفي هذه الحالات، يستحيل المبدع ذاتا تقول مخاوفها وآمالها وتردّداتها وجموحها أحيانًا. ولكنّ موقف الريبة والحذر هو الغالب على المبدع. فلا ننسى أنّ منعرجات التاريخ تحمل من صنوف المكر والخيانة والغدر أكثر ممّا تحمل من الأحلام الورديّة والشعارات البرّاقة وإن كانت مشروعة.
شخصيًّا، قلت عن الثّورة التّونسيّة إنّها انتهت يوم 15 يناير/كانون الثاني، وكتبت بلغة استعاريّة "14 جانفي (يناير/كانون الثاني): لحظة شعريّة مكثّفة". وأردفت "كان الشعر مجتمعا في تلك اللحظة المكثّفة النادرة الاستثنائيّة ثمّ بدأ نثر الواقع".

وإنّي أتفهّم مواقف مبدعين كبار حين شكّكوا في كثير ممّا يقع، ولا أرى موجبا لتخوينهم؛ إنّهم بعض من أصواتنا التي تهمهم أحيانا داخلنا ونحن نرى الدمار والقتل بالمجان ينحرف بأشواق الناس وتطلّعاتهم ونعاين كيف تفتك أوهام الإيديولوجيّات الطالعة من المتون الصفراء بالحلم المدنيّ السلميّ.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

أعتقد أنّ قطع النّرد قد رُميت بصفة نهائيّة تقريبًا منذ البداية؛ علّمنا التاريخ أنّ الثورات، جلّ الثورات على الأقلّ، منذورة للغدر. لم يكن الأمر يحتاج إلى عبقريّة، يكفي أن نقرأ التاريخ. كنت، مثل غيري، محمولين بالأمل وننتظر معجزة مّا، أرى الانكسار وتلبّد الغيوم، ذهب الانتشاء بالرّبيع العربيّ لأنّنا رأينا بأمّ أعيننا كلّ أشكال ما قبل الدّولة في الفكر والاجتماع من طائفيّة وعشائريّة وقبليّة واحتكار عائليّ للسّلطة وفكر دينيّ منغلق ونزعات للثّأر والتّقتيل.

وأكبر ظنّي أنّه لا يمكن الحديث عن مآل الرّبيع العربيّ في غياب الدّولة والقانون بمعنييهما الحديث فهما شرط المواطنة، وهنا تحديدًا يكمن مأزق الرّبيع العربيّ الذي لن يخرج منه للأسف في المدى المنظور على الأقل.

على أي مدى (متوسط، بعيد، ...) ترون أن أهداف الربيع العربي (ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وحرية، ...) ستتحقق على أرض الواقع؟

أظنّ أنّ للإبداع العربيّ، سواء في ما يعدّ من مراكزه الثقافيّة التقليديّة أو بعض ما يعدّ من هوامشه، رصيدا مهمّا من التصوّرات التي أسهمت في صنع الإنسان العربيّ الحديث وتصوّراته الجديدة
"

من البيّن أنّ الأمل قائم في بلدي تونس، رغم كلّ المآزق، أكثر من غيرها من بلدان الرّبيع العربيّ؛ والسّبب واضح: فالدولة قائمة منذ أحقاب والفكر المدنيّ متجذّر منذ أكثر من قرن ونصف القرن، وتنظيمات المجتمع المدنيّ قويّة. أقول هذا رغم عودة النّظام القديم في تونس بأشكال متعدّدة وصعوبة الحديث عن انتقال ديمقراطيّ حقيقيّ سيفضي إلى المحاسبة فالمصالحة الوطنيّة.

ولكن من المرجّح، وفي المدى المتوسّط، أن تتحسّن الحرّيات الفرديّة والجماعيّة بفضل إصرار المجتمع المدنيّ، ويترسّخ نظام ديمقراطيّ تعدّديّ منبنٍ على أشكال من التوافق لا تحسم الصراعات الثقافيّة والمصلحيّة جذريّا.

وبسبب من هذا فإنّ شروط العدالة الاجتماعيّة ما تزال بعيدة المنال في ظلّ أزمة اقتصاديّة رهنت البلاد للدّوائر الماليّة العالميّة، وفي غياب بدائل تنمويّة قادرة على كسر الحلقة المفرغة للتّبعيّة، المهمّ أنّنا نشهد في تونس لأوّل مرّة في تاريخنا العربيّ والإسلاميّ قيام سلطة مضادّة قابلة للتطوّر والتأثير في مجريات الأمور إذا ما أحسنت تنظيم نفسها وابتكار أشكال جديدة في الاحتجاج.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

الإبداع الأصيل تأمّل في الواقع ونقد جذريّ للسّلطات الخفيّة التي تعيق الحرّية، وتهدر كرامة الإنسان. وبعيدا عن جلد الذات ونقد الحاصل فإنّني أظنّ أنّ للإبداع العربيّ، سواء في ما يعد من مراكزه الثقافيّة التقليديّة أو بعض ما يعدّ من هوامشه، رصيدا مهمّا من التصوّرات التي أسهمت في صنع الإنسان العربيّ الحديث وتصوّراته الجديدة. ولست أرى، في ذاكرتنا الثقافيّة العربيّة وبعيدًا عن غوغائيّة السّياسيّين وألاعيبهم، من معبّر عن الرّؤى التي تفتح لنا أفق الحرّية والعدالة والكرامة غير الإبداع وبعض الفلسفة، وإن كانا يحتاجان إلى بيئة أفضل لأداء دورهما بقدر ما يحتاجان إلى التزام أكبر من المبدعين والفلاسفة.

المصدر : الجزيرة