أمير تاج السر

مؤكد أن الاهتمام بالكتاب تراجع في هذا الزمن الذي كثرت فيه الحروب والنزاعات والفتن، وفقدت كثير من أوطاننا رعايتها لأبنائها الذين تشتتوا في بقاع الأرض، إضافة للتعب المزمن المصابة به بعض البلدان، بحيث إن متوسط دخل الفرد الشهري لا يتعدى ثمن عدة وجبات من الطعام.

وبغض النظر عن أي احتياج آخر مثل السكن والكهرباء والملابس باتت القراءة عموما معضلة كبرى وسلوكا مترفا لا يمارسه إلا من يمتلكون المقومات المالية للقيام بذلك بالطبع، تماما مثل السفر بغرض السياحة وشراء أغراض أخرى تدخل ضمن الرفاهية.

ومن يتابع نشاط المكتبات في كثير من الدول لا يجد في الأغلب كتبا ذات جدوى ولا إصدارات حديثة، وحتى إن توفرت فهي ليست في متناول اليد وتفوق بشكل كبير قدرة القارئ النظامي على الاقتناء، وأصبح بيع كتب معينة معروفة ولكتاب معروفين يتم عن طريق طلب تلك الكتب، ودفع سعرها المضاعف حتى تصل.

وفي النهاية تكون المسألة أكثر مأساوية حين تجد رفوفا كثيرة في مكتبات كانت منارات من قبل قد أزيلت من عليها الكتب واستبدلت بها احتياجات أخرى، مثل مستلزمات المدارس للتلاميذ، وأحبار الآلات الطابعة، وأغلفة الهاتف الجوال الواقية من دون أي حرج من صاحب المكان أنه طرد تجارة ما عادت رابحة واستبدل بها تجارة أخرى يتعشم أن تجيء بشيء من الربح.

تكون المسألة  مأساوية حين تجد رفوفا كثيرة في مكتبات كانت منارات من قبل قد أزيلت من عليها الكتب واستبدلت بها احتياجات أخرى، مثل مستلزمات المدارس للتلاميذ، وأحبار الآلات الطابعة، وأغلفة الهاتف الجوال الواقية

وقد زرت منذ عامين مكتبة في بورتسودان كانت بالنسبة لي من المدارس التي تعلمت فيها، بمعنى أنها شاركت في تأسيسي كقارئ منذ الصغر، ولطالما اقتنيت منها كتبا بديعة شكلت نواة مكتبة لي في ما بعد، وفوجئت أن تلك المكتبة ما زالت مفتوحة، وقد أغلقت مكتبات أخرى جاءت بعدها.

لكن المفاجأة الكبرى أن صفة المكتبة كانت في اسمها فقط، بينما محتوياتها لم تخرج عن المحتويات التي ذكرتها، وهي تزويد الهاتف الجوال بإضافاته ووصلاته ولا شيء آخر.

نأتي إلى معارض الكتب الموسمية والتي تقام سنويا في معظم الأقطار حتى تلك التي مزقتها الحروب والنزاعات وبمجهود من أشخاص ما زالوا يؤمنون برسالة الثقافة فنجد تلك المعارض مزدحمة للغاية وتأتي بجمهور كبير في الأغلب، لكن ماذا يحدث حقيقة، وبعيدا عن كل تحيز للكتاب والكتابة؟

لقد شهدت معارض كثيرة شاركت فيها إما ضيفا وإما مجرد قارئ عابر ينوى شراء احتياجاته، وفي معرض كبير وجدت صعوبة من شدة الزحام على البوابة، فهناك صياح واحتجاجات ومشادات مع رجال الأمن الذين ينظمون الدخول ويواجهون تعقيدات كبيرة بسبب عدم وجود مساحة للتحرك داخل المعرض الواسع بسبب الزحام.

كانت زيارتي الأولى لذلك المعرض، وانتعشت حقيقة أن يكون التدافع من أجل الكتب، والمشادات من أجل الكتب، وهؤلاء الآلاف الذين تركوا مشاغلهم وجاؤوا يصحبون أطفالهم، ليعلموهم أبجديات القراءة.

وتذكرت زحاما مماثلا شاهدته في مركز مندادوري الضخم وسط ميلانو بإيطاليا، وكان من أجل كتابين صدرا حديثا بالإيطالية ذلك الحين، هما "الجحيم" للأميركي دان براون، و"رددت الجبال الصدى" للأفغاني خالد حسين، حيث جاء أولئك للحصول على نسخهم.

حين دخلت معرض الكتاب العربي أخيرا والزحام يدفعني من ممر لآخر وجدت معظم أجنحة الناشرين خالية، وفيهم ناشرون معروفون وكبار، والذين كانوا يتدافعون كانوا يبحثون عن التسلية فقط، وتغيير الروتين بزيارة حدث موسمي لا أقل ولا أكثر، قد يمسك الواحد بكتاب يقلبه بين يديه أو يتأمله بلا تركيز، ويسأل: بكم هذا؟ ثم يعيده لمكانه ويمسك بغيره، وهكذا إلى أن تنتهي جولته ويخرج.

أغلفة الكتب في الماضي كانت مجرد كسوة خارجية لورق عادي، ولا يهم نوع الكسوة، لأن القارئ لا يبحث عنها وإنما عما تغطيه من معرفة

هذه صورة قاتمة، لكنها حقيقية بلا شك، ولا أقول إن كل من يدخل معرضا للكتاب لا يشتري، فهناك من يدخل عشرات المرات ويشتري في كل تلك المرات، هناك مدمنون حقيقيون يحسون بالحسرة وتعذيب الضمير إن جاء معرض للكتاب ولم يدخلوه ويشتروا منه لأي سبب، وأعرف أصدقاء يملكون طبعات مختلفة لكتاب واحد، لمجرد أنهم عشقوا ذلك الكتاب.

نأتي لأسعار الكتب التي يطرحها الناشرون بناء على حسابات خاصة بالتكلفة، واسم المؤلف، ورواج سلعته كما أعتقد، وهي -أعني الأسعار- من المبررات التي يسوقها الناس في تماديهم بعدم القراءة واكتساب المعرفة.

ودائما ما تجد في استطلاعات الرأي في القنوات التلفزيونية أثناء وجود معرض ما أحدهم يقول إن العرض جيد في تنظيمه لكن الكتب غالية، المعرض رائع بالفعل لكن لماذا هذه الأسعار، وهناك من يصرخ بغضب متهما ناشري الكتب باستغلال القراء.

رأيي الشخصي أن تصاميم الكتب الآن ليست تصاميم الكتب في الزمن الماضي، وقد وضعت منذ فترة قليلة على صفحتي الشخصية في فيسبوك صورة لكتابين متجاورين هما أول إصداراتي وآخرها، لأبين الفرق بين كتاب كان يباع بأقل من ربع دولار ولن يتعدى ذلك السعر حتى لو طرح الآن بشكله الحالي، وكتاب آخر قد يباع بأكثر من عشرة دولارات.

الفرق أن أغلفة الكتب في الماضي كانت مجرد كسوة خارجية لورق عادي، ولا يهم هنا نوع الكسوة، لأن القارئ لا يبحث عنها وإنما عما تغطيه من معرفة.

الآن أصبح التصميم فنا يدرس في المعاهد والجامعات، ومصمم الأغلفة لا يصنع كسوة فقط، وإنما يصنع جبة موشاة بالحرير لكتاب تراثي، أو فستانا رقراقا زاهي الألوان ومبتكرا لقصة عاطفية أو بدلة كاملة أنيقة لرواية جيدة، هكذا..

وهذا بالطبع ليس مجانيا وتضاف قيمته لسعر الكتاب الذي لن يشتريه معظم القراء إلا لو كان في هذه الأناقة، ولو راجعنا مواقع القراءة التي يتبادل فيها القراء آراءهم في الكتب لعثرت على جملة: شدني غلاف الكتاب أو أعجبني الغلاف لذلك اشتريته.

لقد رغبت مرات عدة أن أدعو إلى التركيز على المعرفة التي تحملها الكتب أكثر من التركيز على جمال الأغلفة لكني ترددت، فالزمن تغير والجاذبية لا بد منها، لكن لا بد أيضا من إيجاد طريقة لخفض أسعار الكتب من أجل الكسب المعنوي على الأقل.

المصدر : الجزيرة