خليل مبروك-إسطنبول

سطع نجم الشاعر الفلسطيني رمضان عمر في المهجر بعد أن حط به المطاف في تركيا محاضرا للغة العربية في مدينة شانلي أورفا (جنوب البلاد).

ورغم أنه ينظم الشعر منذ أكثر من ثلاثين عاما، فإن تجربته ظلت تعاني "الحصار" في وطنه قبل أن تحلق في سماء الأدب المهجري، كأنها يراع سنّته سنن الإبداع في عوالم الغربة.

يرفض الأديب المهاجر تنميق الألفاظ في حديث الذات، إلا أنه لا يجد غضاضة في التعاطف مع "الأنا الفاعلة"، قائلا إن "هذا البوح هو من ضرورات الإضاءة لكشف معالم التجربة الإبداعية، وآفاق الإبداع لدى المبدع".

ولا تنفصل "أنا الشاعر" عن "أنا الإنسان" في بوح عمر الذي عاش طفولة وادعة في مسقط رأسه بقرية بروقين قرب سلفيت (وسط الضفة الغربية المحتلة)، غير أن "أعماق هذه الطفولة الوادعة كانت تحفر عن ثورة الخلق وجمر الإبداع".

نظم الشاعر عمر رمضان المولود عام 1968 أولى قصائده قبل سن الـ15، لكن حياته البسيطة المتواضعة لم تتح له فرصة نشر هذا "المنتج الوليد"، حتى أطل على منصات العالمية بعد انتقاله لدراسة البكالوريوس في باكستان.

تطلع للعالمية
أثرت مسيرة الترحال بين باكستان وفلسطين ثم الأردن، والعودة مجددا إلى الوطن قبل الرحيل عنه إلى تركيا عام 2012، مسيرة الشاعر رمضان الذي بات يجد أن الغربة داخل الوطن هي أقسى أشكال الغربة، رغم أنها تشعل لهب القصيد، وتحفر في الأعماق عن دلالات الألق، والتشكيل الباني لتجربة فريدة.

ويقول الشاعر رمضان عمر إن الثقافة في فلسطين تنصهر مع  القضية؛ فيصبح المثقف الفلسطيني هو الذي يحمل الهم ويسير به نحو التحرير، بادئا بأبجديات التنوير الذي يتجه نحو تقديس الثوابت وجعلها هوية أمة ومنبع تلق.

الشاعر رمضان عمر (يسار) يشارك في ملتقى الشرق الأوسط الدولي الأول في تركيا العام الماضي (الجزيرة)

ويضيف "وسواء أكان المثقف داخل الوطن أم خارجه، فإن انصهاره في قضية معروفة معالمها، يجعل له خطابا واحدا وقبلة واحدة، لكن الأفق الذي ينفتح من الخارج قد يجعل وسائل التعبير الثقافي لمن يعيش الغربة تتجه نحو العالمية".

يصف الشاعر الغربة بأنها "وجع دافئ يحمل بذور الحنين ويوقد القوافي، وفتيل لإشعال القصيد، وفسحة تحرر من قيود الضغط الأمني في بلاد القمع والدكتاتورية، وانفتاح على الآخر المتعدد؛ مما يمنحك السباحة في محيط أعمق وأوسع؛ لتفتش عن آفاق الإبداع دون أن ترتج بك القصائد خوفا أو طمعا.

ويقول عمر إن أكثر الشعراء والأدباء الفلسطينيين أبدعوا في الغربة لأن الأدب المهاجر قادر على  توسيع  مدارك الفهم وكسر الجدار الذي مسخ به السياسي المقامر ثوابت الثقافة وهوَّد هويتها.

مشروع لم يكتمل
كانت عودة الشاعر رمضان عمر لفلسطين عام 1994 مشروعا لتحقيق حلمه الثقافي، فأسس رابطة أدباء بيت المقدس، وشغل منصب رئاستها عدة سنوات قبل أن تغلقها السلطة الفلسطينية عقب الانقسام الداخلي عام 2007.

وبعد إغلاق الرابطة واعتقال أغلب أعضائها، غادر عمر مجددا إلى الأردن عام 2008، وهناك حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة النقد الأدبي الحديث.

وخلال إقامته في العاصمة عمان، عمل عمر محررا ثقافيا في جريدة السبيل الأردنية، ونشط في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وشارك في تأسيس رابطة أدباء الشام، ونشر العديد من القصائد في مجلات وصحف فلسطينية وأردنية.

ورغم تفتح آفاق العمل الأدبي والثقافي في الأردن، ظلت بوصلة الشاعر عمر تشير كما أشعاره إلى بلاد غرب النهر، فعاد عام 2011 إلى فلسطين متطلعا إلى آفاق جديدة في النشاط الثقافي البناء.

لم تكن فلسطين التي عاد لها الشاعر عمر هي ذاتها التي طالما كتب عنها، فقد وجد فيها "الحصار والإقصاء وضيق العيش، مما جعلني أفر إلى تركيا لأبدأ -فعليا- مشروعي الثقافي".

وفي تركيا، شارك عمر في عدد من المؤتمرات الأدبية والنقدية، وعمل على تفعيل عدد من الدوائر الثقافية لصالح قضيته فلسطين، وحاز على عدد من الألقاب النوعية، ومنها شاعر العودة لعام 2014.

كما فاز في مسابقة القدس في عيون شعراء العرب، وتم اختياره من شعراء العرب المعاصرين في معجم البابطين النسخة الثالثة، وكتبت عنه مجموعة من الدراسات والأبحاث العلمية المنشورة في مجلات أكاديمية محكمة.

المصدر : الجزيرة