ربما لأنها ظاهرة فنية لا تتكرر، فقد كان طبيعيا أن تكون هناك تعقيدات سياسية وفكرية عديدة حول أم كلثوم المطربة المصرية الأشهر في القرن العشرين، كما لم يحدث مع غيرها في دنيا الطرب العربي.

لم يحدث أن حصلت مطربة على شعبية تضاهيها في قلوب محبي الطرب، فلم تذهب إلى بلد حتى كانت الجماهير تخرج لاستقبالها كما تستقبل الزعماء، وتخصصت بعض المطاعم والمقاهي في تقديم أغانيها فقط.

وحصلت أم كلثوم على تكريم رسمي تمثل في الأوسمة والنياشين رفيعة المستوى، وعوملت كما يعامل الملوك والرؤساء أينما حلت.

أم كلثوم هي المطربة الوحيدة التي صارت إحدى أغانيها نشيدا وطنيا لمصر (قبل النشيد الراهن)، وشارة مميزة لإذاعة بغداد، وهي المطربة الوحيدة التي يقال إن صوتها وحّد العرب من الشرق إلى الغرب في وقت كان فيه الساسة والعقائديون يمزقون ما تبقى من أواصر العروبة بسياساتهم وخلافاتهم الحزبية.

وفي ليلة أم كلثوم التي كانت توافق الخميس من كل أسبوع، كان فرقاء السياسة العربية يتركون الخلافات والمؤامرات ويلتفون حول أجهزة المذياع للاستماع إليها، لا فرق بين عتاة اليسار ولا رموز اليمين وقادة الانقلابات العسكرية الحاكمين والمعارضين المشتتين بين المنافي والسجون والمقاهي.

وفي الأدب العربي، سجل لها حضور في روايتي قصر الشوق وميرامار للأديب نجيب محفوظ، وخصص لها إحسان عبد القدوس إحدى قصصه القصيرة.

وقد أحصى كتاب "أم كلثوم في الشعر العربي" قرابة 88 قصيدة نظمها عدد من شعراء العربية في الفنانة المصرية، بدءا من أحمد شوقي الذي أشار إليها مرتين إحداهما في قصديته الشهيرة "سلوا كؤوس الطلا"، وجبران خليل جبران، وعباس العقاد (عدو المرأة الشهير الذي اضطر للاعتراف بعبقريتها) والزجال بديع خيري، ومعروف الرصافي، وجميل الزهاوي، وبدر شاكر السياب، ومنهم شاعر إسرائيلي يدعى روني سوليك كان مغرما بأم كلثوم مثل كثيرين في إسرائيل الذين لم ينسوا جذورهم الشرقية.

اليساريون والإسلاميون اتفقوا على أن أم كلثوم تمثل أحد العوائق النفسية الكبرى في المجتمع العربي

اتهامات غير فنية
لكن هناك تعقيدات واتهامات غير فنية، منها أن اليساريين والإسلاميين اتفقوا على أن أم كلثوم تمثل إحدى العوائق النفسية الكبرى في المجتمع العربي.

فاليسار مثلا كان يرى أن نهج أم كلثوم تقليدي يدور حول معاني الغرام والشوق والهيام بما لا يتناسب مع واقع الثورة العربية، خاصة في ستينيات القرن العشرين الطافح بالأخيلة الثورية، ويستدلون على "رجعيتها" بأنها كانت مطربة الملوك العرب وكبار القوم، ولم تستطع أن تتواءم مع كلمات الشعر الجديد ولا الموسيقى الجديدة التي ظهرت في سنوات الثورة العربية لأنها كانت حريصة على أن يكون صوتها هو الأعلى والمهيمن على الكلمات والألحان، ولذا اقتصر تعاونها مع الجيل الجديد على الأغاني الوطنية والثورية فقط.

هذه الاتهامات اليسارية لوحظت لدى بعض الحركات الثورية، كما جسدها مسلسل "ليالي الحلمية" الذي خصص مؤلفه اليساري أسامة أنور عكاشة حلقة كاملة من جزئه الثاني دارت أحداثها على غناء أم كلثوم في بداية الستينيات لأغنية "أنساك"، فكانت هي القاسم المشترك للأحداث والحوارات والأحلام.

والشاهد هنا أن الحلقة عرضت نقاشا لمجموعة يسارية "متطرفة" شنع فيها الرفاق على فن أم كلثوم المغيّب لوعي الإنسان العربي وغير المنسجم مع مرحلة التحولات الثورية آنذاك.

وفي واقعة أخرى مشابهة، سجل الكاتب المصري محمود السعدني في كتابه "مسافر على الرصيف" اشتباكه في جدال مع مجموعة يسارية "متطرفة" كانت تحمّل أم كلثوم مسؤولية الغيبوبة التي يعيشها المصريون بما ترسمه بأغانيها من واقع مخملي لا صلة له بالواقع البائس الذي يعيشونه، فاستحقت وصف الأفيون المخدر للشعب.

الشاعر الإسلامي يوسف العظم استنكر حفلات أغاني العشق والغرام في وقت لا تزال فيه الأمة تلعق جراحات الهزيمة الأذل في تاريخها

دور الإسلاميين
لا يهتم الإسلاميون عادة بمتابعة شؤون الفن والطرب والمشتغلين فيه، لكن أم كلثوم كانت موضوعا لقصيدة نارية للشاعر الإسلامي يوسف العظم على خلفية "الدور الوطني" الذي قامت به في أعقاب هزيمة يونيو/حزيران 1967من خلال تنظيم عدد من الحفلات الفنية في أبرز العواصم العربية والغربية وتخصيص ريع الحفلات لدعم المجهود الحربي المصري.

ورغم حسن النية في نشاط أم كلثوم حينها، فإن العظم استنكر أن تكون الوسيلة حفلات تتردد فيها أغاني العشق والغرام والآهات، في الوقت الذي لا تزال فيه الأمة تلعق جراحات الهزيمة الأذل في تاريخها، ودماء الشهداء لم تجف بعد، والأحزان تسكن في بيوت الضحايا والمفقودين ومخيمات اللاجئين.

ولم يتردد العظم في أن يصف ما يحدث بأنه تخدير جديد للعرب الرازحين تحت وطأة الهزيمة أو، كما جاء في قصيدته "خدريهم يا كوكب الشرق":

كوكب الشرق لا تذوبي غراماً ودلالاً وحُرقة وهُياما

لا، ولا تنفثي الضياع قصيدا عبقرياً أو ترسلي الأنغاما

فدماء الأحباء في كل بيت تتنزّى وتبعث الآلاما

وجراح الأقصى جراح الثكالى، ودموع الأقصى دموع اليتامى

خدرِيهم باللحن يا كوكب الشرق وصوغي من لحنك استسلاما

وزاد الأمر سوءا حرصُ الإذاعة الإسرائيلية خلال الستينيات على إذاعة أغنية لأم كلثوم يوميا قبل نشرة الأخبار اليومية لجذب المستمعين العرب

أفيون حقيقي
لكن الأغرب هو شيوع اتهام آخر كان يلاحق أم كلثوم، وهو تسببها في ارتفاع أسعار الحشيش والمخدرات يوم حفلتها الشهرية، مما عُد دليلا على حالة الغيبوبة التي يقع العرب فيها بسببها بدلا من الاستعداد للمعركة مع الصهاينة.

وزاد الأمر سوءا حرص الإذاعة الإسرائيلية خلال الستينيات على إذاعة أغنية لأم كلثوم يوميا قبل نشرة الأخبار اليومية لجذب المستمعين العرب.

والسؤال الآن: هل كانت أم كلثوم مسؤولة فعلا عن حالة التدهور العام وإلهاء الناس؟ أم أنها شماعة سهّلت إلقاء المسؤولية عليها؟

في سجل التاريخ كان الغناء مزدهرا في ذروة قوة الدولة العربية بدءا من عهد الأمويين حتى بلغ زمن ازدهاره في عهد هارون الرشيد ومطربه الشهير إسحاق الموصلي، وهو العصر الذي كان الحاكم العربي يقول فيه للسحابة: امطري حيث شئت فسيأتيني خراجك.

تختلف الآراء، لكن المؤكد أن طبيعة الأنظمة التي تستغل شعبية الفنانين الكبار لتدعيم شعبيتها هي التي وضعت أم كلثوم في فوهة المدفع، فبدت كأنها السبب الحقيقي وليس الفساد الشامل في الأنظمة ذاتها التي هي الأفيون الحقيقي للأمم.

المصدر : الجزيرة