عبدالله الرفاعي-البصرة

في عام 1987، وقبل انتهاء الحرب العراقية-الإيرانية بسنة واحدة، اعتادت ابنة شيخ قرية قرب مدينة السماوة (جنوب العراق) جلب الماء من النهر كل صباح، لكن "زهرة" ذات الـ13 ربيعا ذهبت يوما إلى النهر ولم تعد، لتتحول قصتها لاحقا إلى موضوع لفيلم "صمت الراعي"، الذي أثار الجدل مؤخرا في العراق.

وفي مجتمع عشائري مغلق، من الطبيعي أن تُحاك الحكايات والإشاعات عن فتاة لم تعُد لمنزلها، بينما يروي الفيلم القصة الحقيقية التي تبدأ عندما تُنزل سيارات تابعة للجيش العراقي عددا من أبناء القومية الكردية من شمال العراق لدفنهم بالقرب من النهر في مقبرة جماعية، حيث ينتبه أحد الجنود إلى وجود زهرة هناك فيقتلها ويدفنها مع الأكراد، في حين لم ينتبه إلى وجود راعٍ بالجوار أيضا ليكون الشاهد الوحيد على الجريمة، والذي ظل صامتا 15 عاماً خوفاً على حياته.

وبعد اختفاء زهرة، أخذ البعض يهمس باحتمال هروبها مع أحد شباب القرية، مما اضطره للتخفي عن الأنظار خشية معاقبته، وبعد 15 عاماً احتل الجيش الأميركي العراق، فخرج الراعي عن صمته وأخبر شيخ القرية بقصة مقتل ابنته، وعاد الشاب الذي اتهمت زهرة بالهروب معه، وأيقن الجميع أنها كانت بريئة.

المخرج يتسلم الجائزة الأولى في مهرجان الإسكندرية السينمائي (الجزيرة)

سلطة التقاليد
يزاوج فيلم "صمت الراعي" بين سلطتي العشيرة والحكومة، وبقدر ما ينتقد الحكومة فإنه يرى أن سلطة التقاليد القبلية في المجتمع العراقي وهيمنتها مؤشرات على أمراض المجتمع.

ويوجه المخرج رعد مشتت انتقادات للعشيرة التي لم تفكر إلا في الجانب السلبي تجاه الفتاة، وهذا قد يحصل في أزمنة وأماكن مختلفة، وبالإضافة إلى التقاليد المتراكمة ذات التوجهات "الاتهامية" الجاهزة للمرأة، فإنها تبدو أسهل الطرق لحل أي قضية في الحياة اليومية، وخاصة في الأمور المعقدة.

ويقول مخرج الفيلم للجزيرة نت إن فوز الفيلم في مسابقة الفنان نور الشريف بمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض المتوسط في دورته الـ31، هو "إضاءة حقيقية" في مسيرة السينما العراقية في نهضتها اليوم.

ويضيف أن "هذا الفيلم هو أول فيلم روائي عراقي طويل يفوز خلال مسيرة هذا المهرجان، وسعادتنا كبيرة في أن نحصل على الجائزة من بلد تعلمنا منه السينما".

ويؤكد أن صناعة فيلم روائي طويل بالعراق وهو بلد يعد "الأكثر خطورة في العالم" هو مغامرة بكل ما للكلمة من معنى، وأنه في الوقت ذاته تحدٍ كبير تصدى له فريق سينمائي يؤمن بأن البلاد التي تنوء تحت عبء الموت والدمار قادرة على صناعة الجمال والإبداع المُحرض على الحياة والحرية، حسب تعبيره.

السومري: ما يميز الفيلم هو تقبل لجان التحكيم سماع قصتنا الحقيقية دون مواجهات مسبقة (الجزيرة)

المعرفة المسبقة
وبدوره، يقول الناقد السينمائي كاظم السلوم للجزيرة نت إن "مخرج الفيلم راهن على المعرفة المسبقة للمشاهد عما ستؤول إليه أحداث الفيلم، ولم يستفد من اللقطات العامة النقية التي صورت ريف السماوة وصحرائها، وبالرغم من الجهد الذي بذله المصور فإن بعض المشاهد رسمت بعجالة".

ويرى السلوم أن المخرج أخطأ كثيراً عندما جعل مشهد العثور على جثة الفتاة بالحركة السريعة، مما أفقد الفيلم جزءا كبيرا من قيمته الفنية، في الوقت الذي كان يفترض فيه أن يشتغل بتركيز عال على هذا المشهد.

ومن جهته، يقول الإعلامي والمخرج السينمائي علي السومري للجزيرة نت إن "صمت الراعي" ليس الفيلم الأول الذي يقطف جوائز عالمية، فقد سبقه في هذا المخرجون عدي رشيد ومحمد الدراجي وسهيم عمر خليفة وآخرون، مضيفا "لكن ما يميز هذا الفيلم هو تقبل لجان التحكيم سماع قصتنا الحقيقية دون مواجهات مسبقة".

المصدر : الجزيرة