حاوره/ كمال الرياحي-تونس

عُرف الكاتب والمترجم التونسي أيمن حسن منذ سنوات باهتمامه -إلى جانب المترجم محمد علي اليوسفي والمترجم آدم فتحي- بالكاتب والفيلسوف الروماني الأصل إيميل سيوران ترجمة وبحثا.

ويدرس حسن اللغة والآداب الفرنسية بدار المعلمين العليا في تونس، وقد نشر أكثر من خمسة عشر كتابا، منها "عودة الحشاشين" و"فن الحرب التونسي" و"اليأس الجذل لدى سيوران" و"إيريبونغ/سمو" و"حضوريا". شذرات الديجا فو" و"في حماية الأنقاض. صدى الفلسفة والشعر" و"نشيد وطني" و"شظايا النجوم" و"اكتشاف الرجل الأعوج" و"أبجدية الساعة الزرقاء" و"الكذبة العظيمة" وغيرها من المؤلفات الصادرة بتونس وفرنسا.

وفي هذا الحوار، تقترب الجزيرة نت من تجربة إيميل سيوران، والذي تنسب له رؤية تشاؤمية للعالم.  

 لماذا هذا الاهتمام بسيوران؟
اكتشفتُ سيوران بفضل الكاتب الإيرلندي صاموئيل بيكيت منذ قرابة خمس عشرة سنة. مقطع قصير من نص مقتطف من قاموس وضعني قبالة صوت أعتبره اليوم من الأصوات الأكثر ثراء.

لتُخمنَ بيكيت -ذاك الرجل المنعزل- يجب التركيز على عبارة "البقاء على حِدة"، وهو قول مضمّن يعبر عن كل لحظة من لحظاته لما يلمح إليه من وحدة ومن عناد كامن، ومن جوهر كائن خارجي يواصل عملا جهيدا بلا نهاية.

غلاف كتاب الفيلسوف الروماني إيميل سيوران "تاريخ ويوتوبيا" مترجما إلى العربية (الجزيرة)

جملة واحدة كانت تكفي كي تتحقق المعجزة. وهذا ليس غريبا، لقد تحولت الصدفة في الحال إلى لزوم يتمثل في النهل يوميا من كتابة خطيرة بقدر ما هي معزّية، يائسة بقدر ما هي مرِحة بل وحتى مُطربة. يُحاك أخيرا أمام عيني نسيج عظيم مرورا بنصوصٍ أخذتني من هنري ميشو وروجي كايوا إلى سوزانا سوكا، من بنجامن فوندان إلى ليون شاستوف، من ماريا زمبرانو إلى خوسي أورتيغا إلى غاسسيت، وإلى كثير من الشعراء الآخرين، الكتاب والفلاسفة، سواء أكانوا أصدقاء حميمين لسيوران أو رفاق درب أو فكر. هذا الأخير كان يلتهم كتبهم بنهم، وأنا صرت مثله في فترة وجيزة.

 أنت تعتبر أن كتابة سيوران تمثل حدثا فريدا من نوعه في تاريخ الأدب الفرنسي. ما الذي يجعل هذه الكتابة تنتزع هذه المكانة؟
نعم، فمنذ صدور أول كتاب له بالفرنسية سنة 1949 "المفصل في الانحلال" أعتبر سيوران -وهو كما تعلمون روماني الأصل وصاحب ستة كتب بلغته الأم- كاتبا حقيقيا، أي ذا صوت مغاير.

لم تكن كتابة سيوران متناغمة مع المرحلة المتمثلة في الخروج من الحرب العالمية الثانية مثل التغني بالالتزام كما فعل الفرنسيان سارتر وكامو، أو الفيلسوف البريطاني برتراند رسل

لم تكن كتابة سيوران متناغمة مع المرحلة المتمثلة في الخروج من الحرب العالمية الثانية مثل التغني بالالتزام كما فعل الفرنسيان سارتر وكامو، أو الفيلسوف البريطاني برتراند رسل. تميزت كتابة سيوران بصبغة متناقضة تجمع بين التجريد الميتافيزيقي والشعرية الخام داخل نصوصه النثرية كتلك التي عبرت على صلابة وقوة النثر الفرنسي الكلاسيكي مع عباقرة لغويين شأن باسكال وبوسوي والسيدة دي ديفان وتوكفيل وإرنست رينان.

لقد فاز أول كتب سيوران بالفرنسية "المفصل في الانحلال" بجائزة "ريفارول" المرموقة التي كان كل من أندريه جيد وأندريه موروا وجان بولهان وجول رومان وجول سوبرفييل أعضاء في لجنة تحكيمها. لكن، يجدر القول إن كتابة سيوران ليست موجهة للجميع، وإنه انتظر أكثر من أربعين عاما كي يصير مقروءا ومشهورا.

 سيوران لا يرى في الغرب إلا "عفونة ذات رائحة زكية.. جثة معطرة". ففي "أوروبا تنتهي السعادة عند حدود فيينا. ليس وراء تلك المدينة سوى اللعنة بعد اللعنة منذ القدم". فما سبب هذا السخط الذي يحمله سيوران للغرب؟
في مجموعة من النصوص والشذرات، أمعن سيوران في ركل جسد الغرب بالضربات. هو ليس أول من قام بذلك، إذ كتب قبله الفيلسوف الألماني أوسفالد شبنغلر كتابا شديد السواد تحت عنوان "أفول الغرب"، لكن ما يميز نظرة سيوران للغرب هي أنها لا تتسم بالنمطية، فهي كما نقرأ هنا شعرية وحدسية لا تخضع لبعد نظري أو اصطلاحي، بل تنبني على نقد لأسس الثقافة، وخاصة المجتمع الغربي الذي صار -حسب سيوران- عاجزا على التجدد مقارنة بالحضارات الشرقية، وخاصة الآسيوية.

 

غلاف كتاب "في حماية الأنقاض - صدى الفلسفة والشعر" للباحث التونسي أيمن حسن (الجزيرة)

 "ليس من موقف أكثر زيفا من أن نفهم ونظل أحياء". هكذا قضى سيوران حياته في كتابة سوداوية وتشاؤمية يقول البعض إنها كانت -ربما- سببا في انتحار الكثيرين، ومع ذلك لم ينتحر سيوران، بل يظهر في حياته اليومية رجلا ضاحكا عاش شيخوخته كاملة. كيف تفسر ذلك؟
قد يخطئ بعض القراء المتعجلين في فهم سيوران، جاعلين منه مادحا للانتحار، غير أن هناك فرقا كبيرا بين فهم الانتحار والذين قاموا به فعلا أو الذين يرغبون فيه، وبين التشريع له أو الحث عليه. لقد وضحتُ كل هذا في كتابي "اليأس الجذِل لدى سيوران"، لكن كي أجيب بسرعة، يجب أن أقول إن سيوران استعمل فكرة الانتحار وفعل التفكير فيه كمضاد حيوي ضد الانتحار.

لقد فسّر سيوران ذلك في حواراته التي جُمعت ونشرت سنة وفاته في 1995، وربما وجب ترجمتها للعربية ونشرها قريبا لما فيها من دروس في التاريخ والسياسة والفلسفة، ولما تتضمنه من فهم متمعن لباطن الأمور.

من جهة أخرى، استعمل سيوران الضحك كسلاح ضد الانتحار واليأس والعدم، فطالما يسعنا الضحك يمكننا البقاء على قيد الحياة.

 وهل يُعتبر هذا التشاؤم أسلوب حياة أم هو تيمة كتابة هنا؟
يمكن للناقد أن يعتبره بمثابة التيمة التي تختص بها أعمال سيوران، لكن من الأصح اعتبارها نظرة للعالم أو Weltanschauung، فهي تجمع بين فهم للحياة بالمعنى الواسع للكلمة وبين مجموعة من الأفعال التي تبرز مقدرتنا على التفاعل وعلى التواصل في الحياة، زيادة على أن الكتابة فن في الحياة في حد ذاته، وأنها لدى سيوران قيمة تضاف للحياة كي لا نقول الحياة بأسرها.

 يجمع بين سيوران وجورج باتاي هذا الاحتفاء بالشر بمعناه الفلسفي، كأن يقرن التسامح والسلم بالعجز، فهو يقول "لا تزدهر الحريات إلا في جسد اجتماعي مريض. التسامح والعجز مترادفان. يتجلى ذلك في السياسة كما يتجلى في كل شيء". هذا القلب للقيم ومقاربتها من وجهة نظر مخاتلة، هل تراه يمثل خطرا على الإنسان الذي ظلت الفلسفة تتساءل عن ماهيته؟
توجد قرابة فكرية بين جورج باتاي وسيوران تتمثل خاصة في قراءتهما للفيلسوف الألماني نيتشه ولدراستهما للمتصوفة المسيحيين، لكن هناك فرقا بينهما يتمثل في أن سيوران، عكس باتاي، لا يؤمن بنظرية التقدم، أي بإمكان تحسين الوضع البشري أو النهوض به.

سيوران يعتبر أن معنى الشر الحقيقي أو الخطيئة الأولى يكمن في المعرفة، فكل المتاعب والكوارث التي حلت بالإنسانية ترجع بالنظر لتعطش الإنسان للمعرفة التي سرعان ما تتحول إلى مصدر قوة

في ما يخص الشر، ليست هذه النظرة بجديدة، فإن أمعنا البصر لأقررنا أنها تنتمي لفكرة الخطيئة الأولى كما جاءت في سفر التكوين، وخاصة كما فسرها ونظر لها القديس أوغسطين. يجب قراءة كتاب جورج باتاي "الأدب والشر" للإمعان في ذلك، لكن عليّ توضيح وجهة نظر سيوران الذي يعتبر أن معنى الشر الحقيقي أو الخطيئة الأولى يكمن في المعرفة، فكل المتاعب والكوارث التي حلت بالإنسانية ترجع بالنظر لتعطش الإنسان للمعرفة التي سرعان ما تتحول إلى مصدر قوة.

الشاهد الذي اعتمدتم عليه للتعبير عن ذلك في محله، فسيوران لا ينتهج هنا طريق الوصف والتذكير ولا التناقض والنقد، فمنذ وجوده لم يقم الإنسان إلا بفرض سلطته على ذويه، فارضًا هيمنته بالقوة ومحولا إياهم إلى عبيد... إلخ. سيوران يذكرنا بأن الحرية حديثة العهد، وبأن الشر صفة من صفات البشر.

 يقول سيوران "لا بد للعالم من هذيان جديد كي لا يتحجر". هل الحرب هنا ضرورية كي تستمر الإنسانية في بشريتها؟ وهل نحتاج للحرب احتياجنا للحياة؟
فيما يخص الحرب.. لا، لكن المقصود شبحها المتمثل في اليوتوبيا التي تذهب عند سيوران من الدين إلى الأيديولوجيا. في الحقيقة، أول نص يفتتح أول كتاب لسيوران بالفرنسية، والذي يحمل عنوان "جينيالوجيا التطرف" يفسر بطريقة أكثر من رائعة كيف تتحول أسمى الأفكار إلى أفظع السموم.

 وكيف لنا أن نجد مشروعية لقول فيلسوف في بلاد التنوير حسب رأيك "إن الديمقراطية أعجوبة لم يعد لديها شيء تعطيه؟".

لم تعد الديمقراطية قادرة على تلبية أغراض المواطنين الذين  صاروا عبيدا للمجتمع الاستهلاكي أو الأمني الذي أحيانا، وبدعوى الديمقراطية، يصير قاتلا للحريات وقاهرا للديمقراطية

أظن أن هذا كان إقرارا استشرافيا، إذ لم تعد الديمقراطية قادرة على تلبية أغراض المواطنين الذين -شئنا أم أبينا- صاروا عبيدا للمجتمع الاستهلاكي أو الأمني الذي أحيانا، وبدعوى الديمقراطية، يصير قاتلا للحريات وقاهرا للديمقراطية. هنا أيضا، يلعب سيوران دور المفكر المذكِّر، أي الذي يذكّرنا بهشاشة وضعنا البشري.

 كيف حدث، وأنت المعجب بهذا الفيلسوف والكاتب والباحث في منجزه، أن تكتب كل تلك الكتب المنادية بالديمقراطية والمساندة للثورة التونسية؟
فعلا، خصصتُ لسيوران مجموعة من الأعمال الأكاديمية ونشرتُ كتابا كاملا حوله مع كتاب آخر كان هو المنطلق الأساسي فيه، هذا ما يجعلني من أهم المختصين فيه والدارسين لأدبه، لكنني مختلف عنه، فأنا لا أنتمي لنفس العائلة الفكرية ولا السياسية. ولكن، لو كان سيوران على قيد الحياة، لكنتُ راسلته منذ سنوات.

غلاف كتاب "فن الحرب التونسي" للباحث أيمن حسن (الجزيرة)

أظن أن الفيلسوف الروماني كان سيُثني أكثر على كتبي التي تُعنى بتونس، بمعركتها من أجل تحقيق مصيرها ومن أجل التأسيس لدولة حقيقية، من الأخرى التي تدور حوله. أقولُ ذلك وأُذكرُ أن سيوران في شبابه حلم بمصير كبير لرومانيا، لكن أحلامه التي يمكن نعتها بـ"القومية الفاشية" كادت تودي به وببلاده إلى الهاوية. مصيري ومصير تونس سيكونان حتما مختلفين، ودعمُ أصدقاء لسيوران لي ولتونس أمثال الفيلسوف رولان جكار والكاتب الكبير غابرييل متزنيف دليل على ذلك.

 سيوران ضمّن في كتابه "تاريخ ويوتوبيا" مدح الحرب والضغينة والحسد والقتل والمجاهرة به والانتحار. هل يمكن أن نصفه إذن بالعدمي الأعظم الذي قلب مفاهيم القيم باحثا عن يوتوبيا مضادة، أم إن سيوران لم يفعل أكثر من تبني البشع والقبيح باعتباره بشريا صرفا لكي تكون الحياة ممكنة، وليتصالح الإنسان مع نفسه باعتباره حصالة هذا الهول اللاأخلاقي؟
يكمنُ الجواب في السؤال نفسه، فطريقة سيوران وإن بدت متناقضة أو سلبية أو حتى عدمية، إلا أنها نيِّرة لما فيها من عبقرية لغوية ودراية عميقة بالدين والفلسفة والتاريخ، فقراءة هذا النابغة ليست بالمجانية، فهي تغير القارئ وتجدد نظرته للعالم.

يُمكنُ أن لا نتفق مع سيوران في ما يُدلي به من إفادات ضد الجنس البشري، لكن يستحيل تكذيبه أو إنكار قوله. حسب رأيي، فكر سيوران من فئة فكر ماكيافلي وهوبز وساد الذين تستوجب قراءتهم مقدرة غوص كبيرة للإمعان في الدرجة الثانية أو ربما الثالثة في القراءة.

 "الاستبداد المستنير: النظام الوحيد الذي يمكن أن يغري عقلا لم يعد مباليا بشيء، وبات عاجزا عن أن يكون شريكا للثورات، بما أنه لم يعد حتى شريكا للتاريخ". هل هذا ما آمنت به الشعوب العربية لعقود؟ وهل تعتبر هذا التشخيص دعوة لقبول الاستبداد أم دعوة للمشاركة في الثورات واستعادة حق الشراكة في صناعة التاريخ؟
نعم، لم لا، فهذا ما دعت إليه فلسفة الأنوار، لكن ليس علينا أن نُشرّع من خلال ذلك للاستبداد أنى كان. فالاستبداد المستنير يخضع لنمط فكري حقيقي لا لأكاذيب وترهات واهية. الفرق لا متناه بين هيغل وهو يمدح نابليون الغازي عندما مر على متن حصانه الرمادي الصغير تحت نافذته ليرى فيه "روح العالم"، وذلك لما يمثله عبر نشره لثقافة فلسفة الأنوار، وبين الذين دافعوا عن جنرالات وحكام هم من أتفه ما أنجب التاريخ المعاصر. الطريق محفوفة بالمخاطر، لكن على المسيرة التقدمية والثورية أن تستمر.

المصدر : الجزيرة