ناصر يحيى*

لا يعرف كثيرون أن اليمن -وتحديدا عدن التي كانت مستعمرة بريطانية- كان على موعد منتصف ستينيات القرن الماضي مع إنتاج أول فيلم سينمائي درامي بعنوان "حبي في القاهرة"، أدى دور البطولة المطلقة فيه فنان يمني/عدني هو الموسيقار الراحل أحمد بن أحمد قاسم.

تعاضدت عوامل عديدة أسهمت في إخراج الفيلم إلى الوجود؛ فقد كانت سنوات الستينيات ذروة النهضة الفنية العدنية في مجال الطرب والتلحين بظهور عدد غير مسبوق ولا ملحوق كما ونوعا من مؤلفي كلمات الأغاني والملحنين والمطربين، وكانت تلك الظاهرة في الحقيقة ثمرة لتأسيس جمعيات فنية عديدة بدأت في نهاية الأربعينيات بتأسيس "ندوة الموسيقى العدنية" بإدارة الشاعر والأكاديمي المشهور الدكتور محمد عبده غانم، وكان من أبرز أهدافها "عدننة" الطرب بعد مرحلة التأثر بالألحان الهندية، وسيطرة الغناء اللحجي والصنعاني في الفضاء الفني العدني.

وأنتجت تلك المرحلة لونا عدنيا تميز ببساطة الكلمات المأخوذة من اللهجة العدنية، وخفة اللحن المتأثر بالموسيقى المصرية.

الأثر المصري
كانت عدن في تلك الفترة محلا خصبا لاستقبال الفنون والآداب المصرية المهيمنة في الفضاء العربي والتماهي معها، واستقبلت عددا من نجوم الفن المصري كان أبرزهم الموسيقار المشهور فريد الأطرش (1954) ومحرم فؤاد (1964) وماهر العطار وشفيق جلال ومحمود شكوكو.

من الأسباب التي أسهمت في إنتاج أول فيلم سينمائي يمني وصول العلاقات بين مصر واليمن في الستينيات إلى مستويات غير مسبوقة مع الدعم العسكري والسياسي والثقافي الذي قدمته مصر لثورة اليمن ضد النظام الإمامي

وفعلت الأفلام والأغاني المصرية فعلها في تكوين جيل من المطربين والملحنين والشعراء المتأثرين بها تأثرا كبيرا ساعدهم فيما بعد على إنشاء غناء عدني خالص فرض نفسه بجوار أنواع الطرب التقليدية حتى تفوق عليه في غضون سنوات قليلة، ومستفيدا من ظهور إذاعة عدن منتصف الخمسينيات، ثم ظهور قناة عدن التلفزيونية عام 1965، ومن خلال برامجهما توفرت فرص كبيرة لانتعاش الطرب العدني ووصول تأثيره إلى دول الخليج العربي، وقيام بعض المطربين العرب مثل فائزة أحمد وفهد بلان وإلهام يونس ومحمد عبده وشريفة ماهر بغناء أغان عدنية خالصة -كلمات وألحانا- كان لها حظ كبير من النجاح والانتشار الشعبي.

ومن الأسباب التي أسهمت في إنتاج أول فيلم سينمائي يمني وصول العلاقات بين مصر واليمن في الستينيات إلى مستويات غير مسبوقة، مع الدعم العسكري والسياسي والثقافي الذي قدمته مصر لثورة اليمن ضد النظام الإمامي.

على أن الدافع الأكبر وراء إنتاج الفيلم كان يكمن في شخصية الفنان أحمد قاسم نفسه؛ فقد كان متأثرا إلى حد لا يوصف بالفن المصري والموسيقى الشرقية المصرية على نهج المطرب الشهير فريد الأطرش.

وكان هذا الأخير هو الذي نصحه -عندما التقاه في عدن أثناء زيارته لها منتصف الخمسينيات- أن يدرس الموسيقى أكاديميا بعدما استمع له وهو يعزف على العود، وبعد دراسة الموسيقى لمدة سنتين في القاهرة صار أكثر عزما على أحقيته في اقتحام مجال السينما وتقديم دراما غنائية على النمط المعروف لأشهر المطربين في مصر.

تبلورت إذًا فكرة إنتاج الفيلم من العوامل المذكورة سابقا، ونجحت شخصية أحمد قاسم في تحقيق حلمه بعد عامين من العمل الشاق، فظهر فيلم "حبي في القاهرة" من بطولته، وأنتجه بالتعاون مع صديقه رجل الأعمال العدني أنور حامد.

الفيلم يحكي قصة طالب يمني/عدني يدرس الموسيقى في القاهرة، ووقع في غرام جارته الشابة زيزي البدراوي. وتتوالى أحداث الفيلم في حكاية غرام وهمية من جانب واحد، حتى يكتشف الطالب اليمني أثناء ذهابه إلى منزل محبوبته لخطبتها أنها "معاقة" لا تتحرك إلا على كرسي متحرك!

الأول والأخير
وتنهار حكاية الفتى العدني العاشق أمام هذه المأساة التي لم يكن يتخيلها أبدا، وأجهضت قصة حبه، وحطمت أحلامه وآماله نهائيا، فالمحبوبة معاقة ولم تكن تتحرك إلا في خياله فقط، وقد فاته أن يتنبه أنه لم يرها أبدا إلا جالسة على كرسي.. ولم تتحرك طوال الفيلم إلا في حلم غنى لها فيه إحدى أروع أغانيه.

نهاية الفيلم المأساوية ختمها البطل اليمني بأغنية عذبيني الحزينة دلالة على فشل قصة حبه، لكن الفيلم نفسه شهد جانبا إيجابيا ونهاية سعيدة خارج إطار الأستوديو، فقد انتهى بزواج المخرج عادل صادق بالفنانة زيزي البدراوي

فيلم "حبي في القاهرة" -كعادة أفلام المطربين العرب- كان الأكثر أهمية، فيه مجموعة الأغاني الجميلة التي شدا بها أحمد قاسم، وقدم فيها للمشاهد أروع ألحانه المتأثرة بالموسيقى المصرية، والتي ما تزال حتى الآن تتبوأ مكانة متقدمة في سجل الطرب اليمني (مش مصدق، مش عيب عليك، يا عيباه، عذبيني).

ورغم أن الفيلم كان من إنتاج وبطولة يمنيين، فإن بقية العوامل كانت مصرية بالكامل؛ فلم تكن عدن -ناهيكم عن اليمن في تلك الفترة- تمتلك القدرة الفنية على إنتاج فيلم سينمائي طويل، وحتى اللهجة المصرية كانت مسيطرة على لسان البطل اليمني؛ ربما بحكم سنوات دراسته في مصر، وربما بحكم صعوبة أن يكون حواره باللهجة اليمنية/العدنية التي لن يفهمها المشاهد العربي.

وكالعادة في مثل هذه التجارب الأولى، كان هناك جانب سلبي للفيلم أنه جعل منتجه وبطله مثقلين بديون إنتاج الفيلم فترة طويلة، ولم تتكرر التجربة أبدا لا من الموسيقار أحمد قاسم ولا من فنان يمني آخر.

ولم يشهد اليمن ظهور فيلم مشابه إلا فيلما مصريا خالصا هو "ثورة اليمن" الذي لم يكن فيه من إسهام يمني إلا أنه تم تصويره في الأراضي اليمنية، وتولى المصريون تنفيذ كل شيء بشخصيات مصرية.

شارك في فيلم "حبي في القاهرة" عدد من نجوم الشاشة المصرية (محمود المليجي، توفيق الدقن، عبد المنعم إبراهيم، زوزو ماضي)، وأدت زيزي البدراوي دور البطولة النسائية. وأخرج الفيلم المخرج المعروف عادل صادق الذي شارك أيضا في كتابة قصة الفيلم وإعداد السيناريو والحوار مع سيد أبو العينين.

نهاية الفيلم المأساوية ختمها البطل اليمني بأغنية "عذبيني" الحزينة دلالة على فشل قصة حبه، لكن الفيلم نفسه شهد جانبا إيجابيا ونهاية سعيدة خارج إطار الأستوديو، فقد انتهى بزواج المخرج عادل صادق بالفنانة زيزي البدراوي.
________________
* كاتب صحفي يمني

المصدر : الجزيرة