أمير العمري*

منذ أن بدأ المخرج الإسرائيلي آموس غيتاي الإخراج السينمائي، وهو معروف بأفلامه المثيرة للجدل عن الصراع العربي الإسرائيلي، والتي صنعت شهرته في العالم مثل "بيت" و"وادي" و"يوميات حملة" في أوائل الثمانينيات، ثم "إستر"، ثم "منزل في القدس" و"يوم.. يوم" و"كيبور" و"كاديما" و"أنا عربية".

غيتاي يخرج الأفلام التسجيلية والروائية، كما يجمع بين الأسلوبين الروائي والتسجيلي في معظم أفلامه الروائية أو التمثيلية، فهو يصنع ما يمكن أن نطلق عليه الفيلم الحديث الذي لا يخضع لقالب محدد، بل تتداخل فيه الأساليب وتتعدد طرق عرض الموضوع، فمن الممكن أن تمتزج الوثيقة المصورة بالممثلين.

تسببت الأفلام التي أخرجها غيتاي عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني -وكانت توجه الكثير من الانتقادات الحادة إلى السياسة الرسمية والجيش الإسرائيلي- في الكثير من المتاعب مع سلطات بلاده التي منعت بعض أفلامه وضيّقت الخناق عليه حتى اضطر لمغادرة إسرائيل والعيش لمدة عشر سنوات في فرنسا، ولم يعد إلى إسرائيل إلا بعد توقيع اتفاقية أوسلو، مقتنعا بأنها ستمهد الطريق أمام حل الدولتين.

مواقف المخرج آموس غيتاي جلبت عليه تضييق السلطات الإسرائيلية (غيتي)

انهيار الحلم
غيتاي يؤمن بضرورة قيام دولة فلسطينية، ويعتبر أن "الحلم الصهيوني" لم يعد "مثاليا" كما كان في بدايته بل أصبح ملوثا بالدماء، وأنه ليس من الممكن بقاء دولة على أنقاض شعب آخر وثقافة أخرى. ولذلك فكثير من أفلامه تعكس رغبته في التوصل إلى صيغة للتعايش بين الشعبين، وهو ما يتفق مع ما قبله الطرف الفلسطيني نفسه.

في فيلمه الجديد "رابين.. اليوم الأخير" الذي عرض أخيرا في مسابقة مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي، يفتح غيتاي ملفا شائكا يعتبره حجر الزاوية فيما آلت إليه الأوضاع في إسرائيل، هو ملف اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1995 على يدي شاب من غلاة اليهود المتطرفين هو إيغال عمير الذي كان عضوا بإحدى المنظمات اليهودية المتطرفة التي تستند إلى تعاليم موجودة في التوراه والتلمود، كانت هي المسوغ الذي دفعه- كما يعترف في الفيلم- الى إطلاق ثلاث رصاصات قاتلة على رابين بعد نهاية أمسية ألقى خلالها رابين خطابا يؤكد فيه اعتزامه المضي قدما في طريق السلام، وحضرها حشد كبير من أنصاره بمدينة تل أبيب.

غيتاي ليس مشغولا هنا بالبحث في النواحي الجنائية للجريمة. صحيح أنه يبحث فيها ويناقشها من جميع الزوايا، لكنه مشغول أكثر بالبحث في الخطاب الثقافي والديني والمناخ السياسي الذي ساد الشارع الإسرائيلي، وسبق وقوع الجريمة التي يعتقد أنها غيرت بشكل كامل صورة إسرائيل وجعلتها تفقد كل مبرر للحديث عن كونها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهي الكلمات التي ينتهي بها هذا الفيلم الطويل الذي يقع في ساعتين ونصف.

يبدأ الفيلم بمقابلة مكثفة مع شيمون بيريز، رفيق رابين وزميله في رئاسة الحكومة، وهو يتحدث عن تأثير الحادث عليه وعما شاهده بعينيه في تلك الليلة المظلمة.

ويستخدم غيتاي بعد ذلك شريط الفيديو الذي صوره مصور محترف يعمل لإحدى قنوات التليفزيون، وفيه نرى عملية إطلاق الرصاص من خلال صورة ضبابية مظلمة.

مشهد من فيلم "رابين.. اليوم الأخير"

ويعود غيتاي من وقت لآخر خلال الفيلم إلى تلك اللقطات المصورة من أعلى بناية، بكاميرا مهتزة وصورة غير واضحة تماما بسبب الظلام المحيط بالمكان.

ثم يشكل لجنة موازية للجنة الرسمية التي شكلت للتحقيق في ملابسات الحادث، وعرفت باسم لجنة "لجنة شاغمار" نسبة إلى رئيسها القاضي مائير شاغمار رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، وعضوية اثنين: جنرال سابق وأستاذ جامعي.

هذه اللجنة في الفيلم يجسدها ممثلون في حضور مساعدة امرأة، تطرح الكثير من الأسئلة، وتعرض القضية من وجهة نظر الرأي العام.

شهادات حية
يصور غيتاي، إيغال عمير، وهو يحشو مسدسه أمام الكاميرا ويخلع رداءه اليهودي المميز لكي يرتدي ملابس مدنية عادية حتى لا يلفت النظر إليه قبل التوجه لارتكاب الجريمة.

هنا يعتمد الفيلم بالطبع على إعادة تجسيد الأحداث من خلال التمثيل، فيصور التحقيق مع عمير من قبل رئيس اللجنة، كما يركز على استهانته بالتحقيق، وإصراره على أنه كان ينفذ وصايا الرب، كما وردت في التلمود طبقا لما يسمى في الأدبيات اليهودية باسم "دين روديف"، وهو عبارة عن "فتوى" يهودية تبيح قتل من يعتبر -وفق التلمود- مرتدا عن أصول اليهودية وتعريض ما يدعونه "أرض إسرائيل" للخطر.

مشهد يجسد لحظة حمل رابين من المكان الذي أطلق عليه الرصاص فيه نحو المستشفى

تستجوب اللجنة في الفيلم كلا من المدعي العام الإسرائيلي والضابط الذي كان مكلفا بتأمين منطقة الحشد، وحارس رابين الشخصي، وسائق سيارته، والطبيب الذي تعامل مع حالة رابين بعد نقله للمستشفى، وصحفيا ومصورا.

ويتهرب المدعي العام من الإجابة عن سؤال بشأن تجاهله التحريض المباشر الذي كان قد أصبح علنيا في أوساط الجماعات اليمينية المتشددة، وهي التي أصدرت الفتوى بقتل رابين. والطبيب يقول إن رابين وصل للمستشفى وهو في حالة سيئة بعد إصابته في الشريان الأبهر وفقدانه كمية كبيرة من الدم.

ويزعم السائق أنه نقل رابين إلى المستشفى الواقع على مسافة خمسمئة متر خلال دقيقة ونصف الدقيقة، بينما يذكر تقرير المستشفى أنه وصل بالسيارة بعد ثماني دقائق من وقوع الحادث.

ويصر ضابط الأمن على أن رجاله كانت مهمتهم تتمثل في التأكد من عدم خطورة الأشخاص الذين يدلفون إلى المكان، ولكنه يفشل في تبرير تسلل القاتل ونجاحه في إطلاق الرصاص.

والحارس الشخصي -الذي كان يفترض أن يحمي رابين- يقول إنه كان ملتصقا به من اليمين، غير أن القاتل برز من جهة اليسار.

والمصور يروي كيف أنه كان يتوقع وقوع حادث خطير في تلك الليلة مع شيوع الفوضى وغياب الأمن، كما يعتقد أن التقصير كان مقصودا.

إيغال عمير قاتل رابين يعتقد أنه نفذ إرادة الرب (غيتي)

أما عمير فيعتقد أنه نفذ إرادة الرب والشعب اليهودي، لكن المحقق يوبخه بقوله إنه ليس مفوضا من قبل الشعب اليهودي.

فتوى التلمود
وفي مشهد رئيسي في الفيلم، نرى اجتماعا لمجلس إدارة جماعة يهودية متطرفة حيث يلقي رئيس الجماعة -وهو حاخام- كلمة غاضبة يشن خلالها هجوما شديدا على رابين، مسلحا بكل ما يمكنه من التوراه والتلمود، بل ويردد عدة مرات الدعاء اليهودي على "الخائن" بما يعتبر بشكل مباشر، تحريضا على اغتياله. وتعقبه في الحديث، طبيبة نفسية متشددة تقول إنها شخصت حالة رابين ووجدته منفصم الشخصية.

وينتقل غيتاي بالكاميرا في مشهد مباشر لكي يصور إقامة جماعة من اليهود المتطرفين بؤرة استيطانية في الأراضي الفلسطينية، ويركز في لقطاته على الأسلحة الآلية التي يحملونها جميعا بمن في ذلك الأطفال، وهنا يمزج بين التسجيلي والخيالي في لقطات تصور قيام وحدة من الجيش بتصفية هذه البؤرة وهدم المنزل الخشبي الذي أقامته وطرد أفرادها.

الخطاب الذي يركز عليه غيتاي في فيلمه يشبه الطرح الذي شاهدناه في فيلم "جي إف كيه" لأوليفر ستون الذي يحقق في موضوع اغتيال الرئيس الأميركي كنيدي.

ففيلم غيتاي يتهم الجميع بالتقصير، الأمن والأطباء والحراسة الشخصية، بل والمحققين، إلا أن الفيلم يركز على إدانة الخطاب التحريضي الذي سبق الاغتيال، ويضع علامات استفهام حول السماح بانتشار الخطاب السياسي المتطرف الذي يتهمه بتسميم الأجواء وشحن المتطرفين بالكراهية، كما يتهم اليمين السياسي، الذي يقوده حزب الليكود بزعامة نتنياهو، بخلق الأجواء التي أدت إلى اغتيال رابين وتقويض كل فرص تحقيق تسوية سلمية في الشرق الأوسط.

الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون متوسطا ياسر عرفات وإسحق رابين عام 1993 (رويترز)

غيتاي يعتمد في أسلوبه على المشاهد الطويلة والاستجوابات الموزعة على مدار الفيلم، ويعيد صياغة الأحداث، كما يستخدم الوثيقة المصورة عندما يقتضي الموقف، ويستخدم المرافعة التي تقدمها سيدة هي "ضمير الفيلم" تناقش وتطرح الكثير من التساؤلات السياسية الأساسية، ومنها كيف أن طريقة معاملة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من أسباب شحن التطرف.

هناك توثيق دقيق يعتمد على ما جاء في تقرير لجنة التحقيق والتقرير الطبي، فكل ما يتردد في الفيلم يعتمد على ما تذكره الوثائق، يضاف إليه -وهو ما يجعل الفيلم عملا معاصرا- ما يكشف عنه غيتاي من تمزقات عميقة في المجتمع الإسرائيلي.

ويختم غيتاي فيلمه في لقطة طويلة تتابع خلالها الكاميرا رئيس لجنة التحقيق وهو يغادر المبنى إلى الشارع، حيث تنتشر على الجدران وراءه عشرات الصور لنتنياهو.

وهي نهاية متشائمة لا ترى أملا في أن تتمكن إسرائيل من تجاوز أزمتها الممتدة منذ اغتيال رابين، ونجاح اليمين السياسي في القبض بقوة على السلطة، في اتجاه مزيد من المواجهة والتصعيد والعنف.
_______________ 

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة