الخير شوار

في عملها السردي الأول "الغرفة 102.. سيرة أبي" الصادر مؤخرا عن دار العين بالقاهرة، تؤرخ الشاعرة الجزائرية لميس سعيدي لموت وحياة والدها الكاتب الدبلوماسي الجزائري بطريقتها الخاصة.

وبلغة سلسلة ومتدفقة، تكتمل الحكاية أخيرا انطلاقا من مجموعة حكايات صغيرة شذرية، كأنها كُتبت لتبقى في دفاتر شخصية، ويبدو أن السرد تدفّق بشكل عفوي فجاءت هذه التجربة الخاصة.

تتجاوز لميس سعيدي في هذا الكتاب طريقة السرد الخطي للأحداث، كما تتجاوز أسلوب اليوميات، لتجمع بين هذا وذاك. ولا تكتفي بسيرة والدها، بل تمزج معها بعضا من سيرتها الشخصية، في تزاوج بين الذاتي والموضوعي، مستخدمة طريقة التقطيع السينمائي، حيث تتداخل الأزمة والأمكنة. وانطلاقا من شذرات بسيطة، تبدأ الجوانب الغامضة في شخصية محمد سعيدي تتضح شيئا فشيئا.

ومع التقدم في القراءة أكثر، يمكن لنا أن "نلتقط" معلومة هنا ومعلومة هناك، إلى أن تعيد تشكيل شخصية الرجل الذي كتبت سيرته، أو ما يفترض بها ذلك، فلا يكاد يجزم القارئ إن كان الأمر يتعلّق فعلا بكتابة سيرة "آخر" حتى لو كان الأب، أم أنه يتعلق بسيرة "ذاتية" بشكل مراوغ، وكأن الكاتبة تقرأ نفسها في هذا الحدث الكبير، حدث الموت الذي كان سببا في الكتابة.

على جناح طائر
لم تكن الغرفة رقم 102 بمستشفى "سانت أنطوان" مجرد غرفة، وهي التي تحولت من مجرد غرفة في مستشفى للأورام السرطانية شهد السنوات الأخيرة للدبلوماسي والكاتب الجزائري محمد سعيدي، إلى مكان أدبي أصبح بعض من القراء يعرفون بعض تفاصيله.

 نقرأ في ثنايا الكتاب بعضا من تاريخ الجزائر المعاصر الذي كان الراحل محمد سعيدي أحد شهوده وقد شغل كثيرا من المناصب الحساسة في الجزائر

ورغم أن الغرفة لم تكن حاضرة بشكل كبير في الكتاب/السيرة، فإنها أخذت عنوان الكتاب، وربما كان مبرر الكاتبة أن المكان الذي ارتبط بلحظة زمنية مفصلية كان المحور الذي تعود إليه في كل مرة مع نصوصها الشذرية التي انطلقت في البداية كتدوينات يومية على موقع للتواصل الاجتماعي، تأريخا لذلك الحدث، وسرعان ما انسابت ولم تتوقف طيلة الشهرين من الكتابة لتأخذ هذا الشكل النهائي فيما بعد.

وتتواصل الشذرات التي تفصل نجومٌ بعضَها عن بعض، من الذاتي إلى الموضوعي، وسرعان ما نغادر تلك الغرفة (رقم 102) إلى مقبرة "مجاجة" قرب مدينة الشلف غربي الجزائر، لننتقل بشكل سلس نحو كثير من الأمكنة وكثير من الأزمنة، فنسافر نحو موسكو حيث درس الراحل الأدب الروسي، ونحو تونس قبل ذلك حيث بدأ رحلة التعلم خارج الجزائر، ونحو ليبيا حيث شغل الراحل منصب سفير بلاده في تسعينيات القرن الماضي، وسرعان ما نعود إلى باريس حيث الغرفة 102 بمستشفى سانت أنطوان، وهي الغرفة النظيفة ذات المنظر الخلاب "كما في اللوحة الكلاسيكية" بتعبير الكاتبة.

وفي ثنايا الكتاب، نقرأ على جناح طائر بعضا من تاريخ الجزائر المعاصر الذي كان الراحل أحد شهوده، وقد شغل كثيرا من المناصب الحساسة: مديرا لأهم صحيفة يومية "الشعب" في ستينيات القرن الماضي، حيث جرت محاولة الانقلاب على الرئيس الأسبق هواري بومدين عام 1967، ومسؤولا كبيرا في بعض الوزارات والحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني)، وسفيرا ومديرا لديوان رئاسة الجمهورية عام 1992، حيث بدأت البلاد تدخل شيئا فشيئا فتنة العنف الدموي.

السيرة الجزائرية
الدبلوماسي والكاتب محمد سعيدي الذي شرع في الكتابة عن ذكرياته مع بعض الشخصيات الكبيرة التي عايشها، كان يرغب في الاستمرار، لكن جسده خانه، فطلب آلة تسجيل من النوع الجيد يملي من خلالها بعضا مما كان يرغب في كتابته، لكن الصوت خانه أيضا ليدخل غيبوبة الموت.

محمد سعيدي الذي شرع في الكتابة عن ذكرياته مع بعض الشخصيات الكبيرة التي عايشها، كان يرغب في الاستمرار، لكن جسده خانه، فطلب آلة تسجيل لكن الصوت خانه أيضا ليدخل غيبوبة الموت

وتحوّلت طريقة الكتابة حيث انتقلت ابنته لميس من شاهدة على الكتابة إلى مدونة سيرة اختلط فيها الذاتي بالموضوعي.

هي سيرة أدبية تعتبر نوعا نادرا في الجزائر، لكنه بدأ يأخذ طريقه مع بعض الأدباء، على غرار ما فعله قبل سنين الروائي الراحل الطاهر وطار الذي كتب جزءا أولا من سيرته بعنوان "أراه" ولم يمهله الموت لكتابة بقية الأجزاء.

وفي المدة الأخيرة، نشرت الروائية الوزيرة السابقة زهور ونيسي سيرتها بعنوان "صفحات للبوح وأخرى للحنين". كما نشر الروائي واسيني الأعرج سيرته بعنوان "سيرة المنتهى.. عشتها كما اشتهتني"، كما نشر الروائي محمد مفلاح كتابه "في تجربة الكتابة".

ويبدو أننا سنشهد الكثير من التجارب لاحقا في هذا السياق، حيث تحول الأمر إلى ما يشبه الموضة. 

المصدر : الجزيرة