أمير تاج السر*

كتب لي منذ عدة أيام من وصف نفسه "بالشاعر الكبير"، ولم أكن سمعت به من قبل، يخبرني بأنه بصدد إصدار مجلة إلكترونية ثقافية جامعة تحتوي على نصوص ودراسات، وسيطلق عليها اسم "الكتابة التالفة"، وأنه يحتاج إلى دعمي -ودعم عدد آخر من زملائي- معنويا من أجل أن ينجح مشروعه، وتعبر "الكتابة التالفة" إلى القراء.

وسبق أن خاطبني منذ أشهر عدة مثقف آخر لا أعرفه، يشير إلى عزمه على تكوين تجمع على الإنترنت يسميه "ذهب مع الريح"، وكذلك لا بد من وجود كتاب مثلي ليسهموا في ذلك المشروع حتى لا تذهب جهوده في الريح.

كما أنني أعثر باستمرار على عشرات الرسائل التي تتحدث عن مشاريع، إما افتراضية وإما ورقية، أو ميدانية، مثل إنشاء ناد ثقافي في بلدة صغيرة، وجعله وسيلة جذب، أو جلب فنانين من العالم البعيد ليرسموا جداريات في بلدة أخرى، وأيضا يتحدث البعض عن السينما، وكيف سيعملون على تطويرها بأدوات لم يسبقهم إليها أحد.

الهوايات القديمة
في ما مضى، أعني قبل أن نكتشف الإنترنت بسنوات طويلة، كانت للمبدع حين تحبطه مسألة النشر، ويكون واثقا مما قدمه في مجال كالشعر أو القصة أو الرواية، طرقٌ أخرى يشير بها إلى نفسه، أو يلفت بها أنظار الآخرين.

كتابة الشعر والقصة كانت هي السائدة قديما، ولم يكن لكتابة الرواية صيت على الإطلاق، وحقيقة أعتقد بأن ثمة خوفا كان يحدث من الرواية وهواية كتابتها، وكنت أعتقد وأنا صغير -كما يعتقد كثيرون مثلي- بأن كتابة الرواية لا تدخل ضمن الهوايات العادية للبشر

وكانت صفحات التعارف في الصحف والمجلات غاصّة بالصور والهوايات الكبيرة والصغيرة، والتي تبدأ من قراءة الكتب والمجلات وكتابة القصة والشعر ولعب الشطرنج، إلى قيادة سيارات السباق والطائرات العملاقة، وكان دائما ثمة من يستقبل رسائل من آخرين شاهدوا صورته وهواياته، وتفاعلوا معها، وكانت هواية جمع الطوابع، هي أكثر الهوايات شعبية على الإطلاق، ومن المؤكد أن ذلك يعود إلى انتشار المراسلات بين الناس آنذاك، وإمكانية أن يعثر الهاوي في بيت أسرته وبيوت أقاربه على طوابع متنوعة يشبع بها هوايته.

كانت هناك هواية تبادل الكتب، وهي هواية جادة بالطبع لأن الهاوي هنا لا يكتفي بوضع صورته فقط لكن عليه حين يراسله أحد ما، يشاركه الهواية نفسها، أن يذكر كتّابا قرأ لهم، وكتّابا يملك مؤلفاتهم، ويود أن يستبدلها بمؤلفات آخرين لم يقرأ لهم بعد، ويجد صعوبة في الحصول على إنتاجهم، إما بسبب عدم وجوده حيث يقيم أو عدم وجود إمكانيات للشراء حاليا، وكانت هذه الهواية بالذات تصعب ممارستها على نطاق واسع، ولا يمكن أن تزدهر إلا بين أفراد يقيمون في المدينة نفسها أو الحي نفسه، وغالبا يدرسون في المدرسة ذاتها.

إذن، ماذا عن هوايات كتابة الشعر والقصة آنذاك؟

في الواقع، كانت كتابة الشعر والقصة هي السائدة، فلم يكن لكتابة الرواية صيت على الإطلاق، وحقيقة أعتقد بأن ثمة خوفا كان يحدث من الرواية وهواية كتابتها، وشخصيا كنت أعتقد وأنا صغير -كما يعتقد كثيرون مثلي- بأن كتابة الرواية لا تدخل ضمن الهوايات العادية للبشر، وإنما هي هواية تدرّب الدولة عليها بعض الناس وتعينهم كتاب روايات.

وأعتقد بأن ظني ذلك ليس ساذجا تماما، بدليل أن العصر الحالي جاء بورش الكتابة التي يتدرب فيها الموهوبون على الروايات. وأما الفوضى الحادثة في الكتابة، فهي طبيعية، لأن لكل عصر فوضاه الإبداعية، والتي يمكن بقليل من الصبر أن نستخرج منها انضباطا ذا قيمة.

طريق الأحلام
الآن أعود إلى "المشاريع المحبطة"، المشاريع التي لا تُقترح إلا رغما عن إرادة من حلم بها تحت ضغط الحاجة لأن يصبح ذا اسم وجمهور وحياة تسميه: المبدع.

الإنترنت المتاح حاليا في كل شبر من الكرة الأرضية يصبح هدفا مؤكدا للأحلام، ومجلات الكتابة المنفية والتالفة، وبعيدة المدى، والسوداء والحمراء والملونة، والتي تذهب في الريح، ويأتي كثيرون ممن ظُلم إنتاجهم أيضا ليدعموا تلك المشاريع

ولأن المسألة كلها -وأعني مسألة أن تعثر على مقعد صغير في غابات الحياة المعاصرة- قائمة على المال، ولأن المال ليس متوفرا في الغالب لدى معظم من يكدون ويكدحون من أجل العيش ولا يحتمل كدهم تمويل أي نشاط لا علاقة له بالأكل والشرب، لن تنشر رواياتهم بطريقة جيدة، ولن تنشر مجموعاتهم القصصية والشعرية، ولن يمثّلوا أحدا في المهرجانات الكثيرة التي تقام هنا وهناك، وقد لا يسافرون على الإطلاق من قرية في أقصى بلد، حتى إلى قرية مجاورة، أو عاصمة البلد الذي يعيشون فيه.

هنا يصبح الإنترنت المتاح حاليا في كل شبر من أشبار الكرة الأرضية هدفا مؤكدا للأحلام، ولمجلات الكتابة المنفية، والتالفة، وبعيدة المدى، والسوداء والحمراء والملونة، والتي تذهب في الريح، ويأتي كثيرون ممن ظُلم إنتاجهم أيضا ليدعموا تلك المشاريع، لتصبح في نظر من وضعوها مشاريع ناجحة.

أعتقد أن الإنترنت وبقدر ما قدّم من شوارع مرصوفة لتسير عليها الأفكار الجيدة، قدم أيضا حفرا عميقة لتسقط فيها الأفكار غير الجيدة.

صحيح أن كل من أبدع في أي مجال يحتاج إلى مساندة ما، ممن يستطيعون تقديم مساندة، وحتى المبدع المكرس يحتاج ليستمر مكرّسا إلى مساعدة، ورأيي أن تقوم الدول بتفعيل أدوات الثقافة المعطلة لديها وتعمل على اجتذاب المشاريع الجادة، ورعايتها بأبوة حقيقية، بدلا من تركها تختلط بمشاريع الفوضى على الإنترنت وتضيع.

ولو افترضنا أن المبدع صاحب التاريخ الإبداعي يستطيع الدعم فعلا، فلا ننسى أنه فرد في مواجهة قبائل كلها احتياج وتنتظر.

السينما مشروع دولة، والمجلة الثقافية مشروع دولة، ونشر الإنتاج الشبابي الواعد يحتاج لميزانيات تستخرج من الدول، ويأتي دور الكاتب المكرّس هنا حين يشجع على تقديم الأعمال الجيدة للقراء.

لقد اعتبرت مسألة اقتراح المشاريع المحبطة على الإنترنت هواية عصرية، شبيهة بهوايات الماضي التي ذكرتها، لا أقل ولا أكثر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

* روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة