كمال الرياحي

عُرف الأرجنتيني ألبرتو مانغويل بعشقه الكتب ومقارباته الرائعة للكتاب عبر عدد كبير من مؤلفاته النقدية التي نُقلت إلى العربية، ومنها "تاريخ القراءة" و"يوميات القراءة" و"المكتبة في الليل" و"فن القراءة".

كما عرف بعلاقته الوطيدة بالكاتب الكبير بورخيس الذي يُعد لسنوات القارئ الرسمي له، وسجل ذلك في سيرته "مع بورخيس"، لكن أعماله الإبداعية ظلت مجهولة في المكتبة العربية قبل أن ينقل يزن الحاج روايته الصغيرة "عودة" مؤخرا للعربية.

السرد الحلمي
يستعين مانغويل في هذه "النوفيلا" -التي نشرت ترجمتها دار الساقي- بما يعرف بالسرد الحلمي الذي يغيب فيه منطق الأشياء وعقلانية الحركة والزمن، لتتقاذف الشخصية "نبستور إستيبان سامويل فابريس" مواقف ومصادفات غامضة تدفع به نحو العيش في كابوس لا ينتهي، يتوالد كل مرة، ويقود الكابوس إلى كابوس آخر.

الرواية حكاية مغلقة في حبكة واضحة قائمة على فكرة العودة القسرية بدافع الواجب من المنفى إلى الأرجنتين لحضور حفل زفاف الابن، لكن سرعان ما تحولت تلك العودة إلى مغامرة كافكاوية

هو نفق طويل مظلم تؤثثه أحداث وشخصيات من الماضي، تطلع من الأرض لتذكره بالأمس البعيد الذي دفع به إلى المنفى الإيطالي.

الرواية حكاية مغلقة في حبكة واضحة قائمة على فكرة العودة القسرية بدافع الواجب من المنفى إلى الأرجنتين لحضور حفل زفاف الابن، لكن سرعان ما تحولت تلك العودة إلى مغامرة "كافكاوية" تقبض على القلب بانفجار كل الذكريات المؤلمة أمامه وعدم قدرته على الفكاك منها.

تتدرج الحكاية شيئا فشيئا في كابوسيتها لترمي الشخصية "فابريس" في مزرعة الرعب. فالحافلة الفارغة التي يقودها أستاذه القديم البروفيسور "غروسمان" تأخذه في شبه اختطاف إلى الخلاء ليكون في مواجهة أخيرة للذاكرة، ذاكرة البلد المثقل بتاريخ الاستبداد.

فهناك في تلك المزرعة -التي يديرها كاتب روايات مصورة- تحتشد كل الشخصيات المرعبة التي عرفها البلد أو الدولة المشار إليها بصفتها دولة القمع.

هناك يشاهد فابريس "القاطع"، الرجل المهووس بقطع أصابع المعتقلين، وتُروى القصص المرعبة حول ساديته الشنيعة، وهناك يقدَّم له أحد كبار القضاة الفاسدين؛ الدكتور سالمونيس الذي أشرف على التحقيقات، وزورها لصالح المستبد ونكل بالمعارضين.

مفاتيح الجحيم
وهناك يتعرف بطل الرواية على الجراح العظيم الدكتور لكسيون، الذي سخّر عبقريته للقمع والتنكيل بجثث المواطنين الأحرار الخارجين عن الصف، والذي يروي الكاتب بسخرية سوداء كفاءته وإخلاصه للنظام، "يقولون إن رباطة جأشه كانت شديدة إلى درجة أنه أشرف مرة على جلسة تحقيق مع والد زوجته بولندي الأصل الذي اتهم بعدم تسديده دينا، كما أشرف مرة أخرى على جلسة مع زوجة صديقه المقرب، ولم يُبد أدنى عاطفة خلال فترة الاستجواب، فهو شديد التجرد إلى درجة أنهم يسمونه جوبيتير المحاكم".

قوة هذا الوصف تأتي من الإيحاء بفظاعة أشكال التعذيب دون أن تذكرها، وهذا ما يشكل جانبا من شعرية هذه الرواية الفنية الساحرة، فهي تواصل غموضها الشكلي حتى في المتن

وتأتي قوة هذا الوصف من الإيحاء بفظاعة أشكال التعذيب دون أن تذكرها، وهذا ما يشكل جانبا من شعرية هذه الرواية الفنية الساحرة، فهي تواصل غموضها الشكلي حتى في المتن وتورط القارئ في تصور الصور الجحيمية التي تقدم له مفاتيح أبوابها فقط.

وهناك في مزارع الرعب، يلتقي العائد بشرائح المجتمع الأخرى ضحايا ذلك الاستبداد والفقر من المجرمين الصغار الذين دفعتهم الحاجة والبيئة لاحتراف القتل، فقصفت أحلامهم وهم شباب والتحقوا بعالم الجريمة.

يقول "ترى بؤس حيوات الآخرين فتشعر أن ثمة شيئا ينبغي أن يتغير، وتبدأ بطرح أسئلة وتجادل، تجادل وتطرح الأسئلة، ثم تجد نفسك تطلق النار بغزارة كما لو كنت في فيلم عصابات".

هكذا يلخص لنا مانغويل مجتمع الجريمة وكيف ينشأ داخل انسداد الآفاق وعدم الإصغاء لحاجات الناس الذين يجبرون على العودة إلى البدائية والاحتكام للسلاح الذي أصبح رصاصا.

مقاومة الاستبداد

لا يمكن إنكار أثر بورخيس في هذا العمل لألبرتو مانغويل، لكن لا يمكننا أن نتهمه بالمحاكاة والتقليد، فأجواء مانغويل خليط من بورخيس وكافكا وأدب أميركا اللاتينية عامة، وهو أدب منشغل بفضح الاستبداد

في تلك النزهة الكافكاوية، شاهد العائد فابريس المليونيرات الجدد "مجموعة من الرجال والنساء يركضون أنصاف عراة خلف بعض الأحصنة الصغيرة" غير مكترثين بهيئاتهم. هم أولئك الذين أثروا من ممتلكات ضحاياهم، وهم المرتشون الذين استولوا على أملاك الفقراء بكل بساطة، لكونهم أرباب الفساد الاقتصادي وسدنته.

وهكذا تتسع المزرعة الروائية لتشمل البلد الذي عاد إليه المنفيّ في أوروبا لحضور حفل زفاف ابنه بالمعمودية ليجد كل التاريخ في وجهه والبلد حطام من سنوات الديكتاتورية.

وتتواصل المفاجآت ليلتقي فابريس هناك في مزرعة الذاكرة خطيئته "مارتا" وحبيبته ورفيقته في النضال التي تركها في المظاهرات من سنوات ليعتقلها البوليس وينكل بها وتقطع أصابعها، بينما نجا هو بعد أن سفّره والداه إلى أوروبا ولم يصله خبر ابنه منها إلا بعد عشرين عاما فتراسله ليعود ويحضر الزفاف.

هنا في هذه مزرعة التجلي الأخير تحاكم مارتا فابريس الهارب الذي يحاول أن يبرر ذلك الفرار القديم، قبل أن يتركها ليتوه في تلك المزارع غير قادر على العودة من حيث جاء، فقد تركه البروفيسور كما ترك مارتا يوما وتخلى عن جنينه ليتحول إلى مرشد للوافدين الجدد على ذكرياتهم المرعبة التي تأتي بهم حافلات شبيهة بتلك الحافلة التي قذفت به هناك حيث الحقيقة.

لا يمكن إنكار أثر بورخيس في هذا العمل لألبرتو مانغويل، لكن لا يمكننا أن نتهمه بالمحاكاة والتقليد، فأجواء مانغويل خليط من بورخيس وكافكا وأدب أميركا اللاتينية عامة، وهو أدب منشغل بفضح الاستبداد، من ماركيز إلى إدواردو غاليانو.

المصدر : الجزيرة