أنطوان جوكي-باريس

حين توفي الشاعر الجزائري مالك علولة (1937-2015) في برلين في فبراير/شباط الماضي، كان يضع اللمسات الأخيرة على مجموعته الشعرية السادسة التي صدرت أخيراً عن دار "روبارب" الفرنسية تحت عنوان "في كل هذا البياض"، وشكّلت في طبيعتها ومضمونها خلاصة تجربته الشعرية الطويلة.

وتجدر الإشارة أولا إلى أن علولة، منذ بداياته في الشعر، تميّز بكتابة حميمية متأنّية، غنيّة بالمجازات والرموز، قارب بها مواضيع كثيرة، كالحياة في المدينة والمرأة والحب، علما بأن موضوعه الرئيس بقي الطبيعة، وتحديدا الريف الجزائري الذي لم يغادره، رغم استقرار الشاعر في باريس منذ عام 1967، بل صقل حساسيته إلى حد أضحى فيه أفضل من صوّر شعريا فضاءاته وتقلّبات مناخه وعيش أبنائه.

هذا ما يتجلى بسرعة لقارئ أعمال علولة الشعرية، وخصوصا الجزء الثاني من مجموعته الأخيرة التي تتألف من ثلاثة أجزاء.

مونولوج عاشقة
الجزء الأول عبارة عن مونولوج لامرأة عاشقة، بنفسٍ لاهث، تعبره تكرارات ولعثمات، ويتألف من جملة واحدة وطويلة، همس كلماتها المرصوصة والحارقة صوتٌ نسائي في أذن الشاعر، كما أسرّ علولة لناشره: "لا أعرف ما الذي انبثق هكذا، منذ قليل، وتتعذّر مقاومته. شيءٌ كان عليّ إسقاطه على الورق، كما لو أنه أمليَ عليّ، وهو أمر لم أعتده، فريد في الحقيقة، حلّ، ورحل، لا أعرف إلى أين ولا من أين أتى ولا لأي سبب (...)".

من هنا غرابة هذه القصيدة التي يشكّل البحر -الكلّي الحضور فيها- إطارها الجغرافي، وتقود مراراً إلى "ذلك البياض الصافي/ الذي يتقدّم نحوي/ يتقدّم نحوي" ونرى فيه استعارة للموت. ومن هنا بالتالي ذلك البوح المتواتر بالحب في هذا النص السيّال، الطارئ، العصبي، المتلعثم، كما لو أنه لم يعد هنالك سوى وقت قصير لقول كلامه المحموم.

علولة موضوعه الرئيس الطبيعة
وتحديداً الريف الجزائري
(الجزيرة)

الجزء الثاني يحمل عنوان "إنه قادم" ويتألف من 25 قصيدة نقرأها كاستحضارات لمِحَن المطر والرياح، وخصوصاً لتلك العلاقة الوثيقة والجسدية بين قوى الطبيعة وأولئك الناس المتجذّرين في أرضٍ عطشى أبدا، "أرض نتكلّمها ونتكلّمها/ ونتصيّرها".

نهاية مزلزلة
نصوص قصيرة ذات "طبيعة تلورية" تلمع في فضائها البروق والصاعقة، وتستحضر مناخ نهاية عالمٍ مزلزلة، وفي الوقت ذاته، هادئة تتحوّل إلى طقسٍ لـ"غسل الأموات/ يجعل من كفنٍ شرنقةً لحورية/ من أجل قيامة موعودة".

وبخلاف القصيدة الأولى، يستعين علولة في هذه النصوص بكتابة مكثّفة يتغلغل فيها البيت الشعري ويلتف بلغةٍ تلعن وتتنبّأ، كما في قوله: "من السماء تأتي مياه جارفة/ وجامحة/ تسقط بصخبٍ كبير/ على سندان الأرض المتصلّب". وبالتالي، ثمة أسلوبٌ مختلف كلياً في هذا الجزء تحتل فيه عناصر الطبيعة واحتدامها واجهة المشهد، علماً بأن الصدى الكوني هو نفسه الملاحظ في القصيدة الأولى، مثل "التجذّر التلوري" الذي يعبر الذاكرة والتاريخ.

أما الجزء الأخير فيتألف من قصيدة واحدة بعنوان "أمطار المعجزة" تشكّل في طبيعتها مزيجاً من الجزأين السابقين، إذ نعثر فيها على ذلك الشكل اللاهث وأيضاً على ذلك الشعر الرؤيوي الذي يلتحم فيه الإنسان بالحب والعالم: "(...) وها نحن قد أصبحنا السماء/ وفجرها/ أصبحنا أنوار هذا الفجر وألوانه/ أصبحنا هذا البلوّر اللامتناهي/  وأيضاً هذا التحوّل (...)".

إيمان بالقيامة
قصيدة يعبّر علولة فيها بلا مواربة عن إيمانه بقيامةٍ، بعد الموت، قيامة تظلل مجمل ديوانه وتشكّل كلمته الأخيرة: "نحن، كمكانٍ مستكينٍ ومُضاء، ننحرف/ بما يعبرنا من توهّجٍ/ كي نحلم وحيدين وإلى ما لا نهاية بهذا اللغز/ (...) وعندها فقط/ في تلك اللحظة فقط/ نعرف أننا أبعد من السعادة/ وأبعد من حياتنا/ قد وصلنا أخيرا/ بلا حراك أو جمود/ ونسمّي ذلك/ قيامة".

باختصار، تشهد مجموعة الشاعر الأخيرة على حالة الارتقاء الروحي التي كان فيها قبل رحيله، ونستشفّ فيها -كما في جميع مجموعاته السابقة- هاجس عدم مواراة، خلف اللغة الفرنسية التي كتب بها، ذلك الجانب الحميم من قصته الجزائرية التي شكّلت أبداً محبرته الثابتة والجوهرية.

المصدر : الجزيرة