هيثم حسين

يثير الروائي العراقي رسول محمد رسول في روايته "يحدث في بغداد" الرغبة في السؤال عما يحصل في بغداد، بتأكيده على راهنية فعل الحدوث واستمراريته، بحيث يشير إلى واقع الحال الذي تعيشه المدينة، تحت وطأة التفجيرات اليومية والتباغض الطائفي والاستعداء والتطاحن، والتقسيم والحواجز والأعمال الإرهابية التي تتسبّب بإقلاق المواطنين وإبقائهم في حالة رعب دائمة.

ماذا يحدث في بغداد؟ هو السؤال الذي يخطر للقارئ حين يطالع رواية رسول (نشرتها الدار المصرية اللبنانية في القاهرة مؤخرا)، ثم لا يني يكتشف أن ما يحدث يفوق ما يتصوره من حيث الأذى.

تعيش المدينة حصارا خانقا وتضييقا دائما، تفقد هدوءها الذي كان يميّزها، وليالي السمر على ضفاف دجلة والفرات، بحيث تبتعد عما امتازت به، لتصير أخرى لا تشبه نفسها تحت وطأة الغزو والاحتلال، وبعد سنوات من الضغط والحصار والاستبداد.

يظهر رسول أن فضاء المدينة العام معكر، تسوده غيوم الأحقاد المتبادلة بين الأطراف المتناحرة، وتسيطر عليه حالة من انعدام الأمان

مأساة مدينة
الراوي سعيد يستعيد حكاية صديقة الروائي "مرهون الشاكر" الذي يقضي إثر مرض عضال. يسترجع مأساته الشخصية التي تتقاطع في جزء منها مع مأساة مدينته.

فالروائي الحالم يرحل تاركا وراءه كثيرا من الأحلام التي كان يسعى لتحقيقها، ولم تسعفه الظروف لذلك، وكأنه بمرضه ثم رحيله يعلن صرخة الاستنكار والرفض لواقع حال بلاده ومدينته، ويكون سبيله إلى ذلك كتابته التي يحرص على أن تسجّل مجريات الواقع وتفاصيل من حياته الشخصيّة.

يصوّر رسول شخصية بطله المسكون بهموم غيره، السارد الذي يكتب رواية صديقه الروائي، أي يلجأ إلى لعبة الرواية داخل الرواية، ويدخل بطله في معمعة اقتفاء روائي مفترض، يخوض صراعه مع محيطه من أجل انتزاع التقدير الذي كان يستحقّه، وكي يكون وفيا معه في نشر أعماله التي تنتظر النشر، ولم يمنحه المرض الفرصة لذلك.

يحاول الراوي الانتصار لصديقه الراحل والوفاء بحق الصداقة عليه، يقرر نشر مخطوط روايته ويسعى للحصول على الفصلين المسروقين منها، يحول المسألة إلى قضية رأي عام، يجيّش الآراء والمواقف لدعمه.

يدخل وزارة الثقافة واتّحاد الأدباء في القضية، وتتمّ عقد جلسة للتحقيق في الأمر ومواجهة الزوجة السارقة بالأدلة والشهود، لكن الصدمة تكون في حدوث عدّة عمليات انتحارية تمنع استكمال المحاكمة والتحقيق، ليظهر أن هناك امرأة فجّرت نفسها، هي زوجة الروائيّ الراحل نفسها.

ينوّع الروائي في نماذج المرأة التي يقدمها، تكون السوداوية طاغية عليها، فأم شاكر تفقد أولادها الأربعة في الحروب التي مر بها العراق والأحداث التي شهدتها على فترات متباعدة، و"نهى" زوجة مرهون تعيش قلقا وإحباطا ويأسا، تعكر على زوجها حياته، ولا تحقق له حلمه بالأبوة واستمرار نسل أسرته، ثمّ تنقل هزيمتها معها كجرثومة تفتك بها وبزواجها، وبلدها تاليا، حين تلجأ إلى تفجير نفسها.

أما النموذج الإيجابي فيحضر في شخصية "مريم" المثقّفة الواعية التي تحلل الواقع بأدوات منطقيّة فلسفية، وتحظى بالقدرة على التفكير العقلاني وسط بحر من الجنون والتعصّب والضياع.

يطرح رسول ثنائية الحقوق والواجبات، عبر التركيز على مفارقة حاضرة، إذ أن بطل الرواية الذي يرحل تاركا وراءه مخطوط رواية كان بصدد نشرها، يكون مثار تجاذب بين صديقه سعيد وزوجته نهى التي تبدو ناقمة عليه.

حين يناقش سعيد أمرها مع زوجته "مريم" ويخبرها بتفاصيل ضياع فصلين من المخطوط، واكتشافه أن "نهى" قد سرقتهما، وربما تخلصت منهما، يدخل في نقاش عن الأمانة والحق العام والخاص، وكيف أن إرث المؤلّف لا يقتصر على زوجته، بقدر ما يكون لوطنه.

يؤكد الروائي أن الإرهاب لا يقتصر على فئة بعينها، بل يكون وباء معديا يصيب الرجال والنساء والأطفال، ذلك أن التنظيمات الإرهابية لا توفّر طريقة إلا وتلجأ إليها في عملياتها

روتين دموي
يخوض الروائي في قضايا الانتماء والولاء، فصديقه المنتمي إلى أدبه، يفقد زوجته الأولى، ويقترن بأخرى لا تحترم واجباتها الأسرية والزوجية، بل تراها تستغرق في اللهو والمجون مع آخرين، وهو يكظم غيظه ويداري فجيعته بها، ويلوذ بالكتابة مهربا.

يفضح زوجته بكتابته عنها، لتستشرس إثر ذاك، وتصبح عدوانية لدرجة مؤذية، ليتكشف فيما بعد تورطها في كثير من الأفعال المشينة، وصولاً إلى حالة انتحارها وتفجيرها نفسها.

يلفت الروائي إلى أن ما يحدث في بغداد يفوق الوصف من حيث الإرهاب، فأرقام ضحايا التفجيرات في ازدياد يومي، وفقدان الأمن بات السمة الرئيسة للمدينة، فضلا عن حالات الاغتيال والتصفية والقتل على الهوية، والأخطر من ذلك تجنيد الأطفال والنساء في عمليات الانتحار والتفجير.

يؤكد الروائي أن الإرهاب لا يقتصر على فئة بعينها، بل يكون وباء معديا يصيب الرجال والنساء والأطفال، ذلك أن التنظيمات الإرهابية لا توفّر طريقة إلا وتلجأ إليها في عملياتها، فقد تورّط بعضهم وتسعى إلى ابتزازهم فيما بعد، بحيث يكون الابتزاز وسيلة للإجرام، وسبيلاً للتسبّب بمآس لكثير من الأبرياء.

يوثق الراوي كيف أن غياب الأمن يتسبب للناس بكثير من القلاقل والضغوطات، تلك التي تجد متنفّسا لها في العنف المتبادل، وتتسبّب في تشويه الكثيرين منهم، فالجلاد نفسه قد يكون ضحية ممارسات شائنة اقترفت بحقّه، ونتاج تراكمات أودت به إلى طريق الهاوية وسارعت بتجريده من إنسانيته، وزرعت فيه بذور الحقد والانتقام.

وهو بذلك يرمز إلى ضرورة فهم دوافع الانتحاريّين وشخصياتهم، وتحليل الأسباب التي أوصلتهم إلى حالة كره الحياة بما ومَن فيها.

يظهر رسول أن فضاء المدينة العام معكر تسوده غيوم الأحقاد المتبادلة بين الأطراف المتناحرة، تسيطر عليه حالة من انعدام الأمان ويكون نتاج تداخل مآس شخصية وعامة، فالواقع المزري ينعكس في التفاصيل والأحداث. وتكون الصورة القاتمة هي السائدة في النهاية.

ورغم كل ذلك يبقي باب الأمل مشرعا، من خلال المولود القادم للراوي، الابن الذي سيسمّيه "مرهون" على اسم صديقه الراحل، ويتمنى أن يكون لائقا باسمه ومدينته ومستقبله.

يسعى الروائي إلى الإيهام بواقعية الأحداث، عبر إيراد أسماء واقعية، والحديث عن الواقع الحقيقي الذي يتسرب إلى الواقع الروائي ويسربه إلى العمل كحالات وظواهر وأفكار تستحق المناقشة والتحليل، وتتطلب قدرا من المواجهة لنبش خلفياتها، والإشارة إلى مواطن الخلل في السياسات الرسمية التي لا ترتقي إلى مستوى طموحات الناس ورغباتهم وأحلامهم، فتدفع قسما منهم إلى الطرف الآخر.

المصدر : الجزيرة