جماليات القتل
آخر تحديث: 2015/8/4 الساعة 16:37 (مكة المكرمة) الموافق 1436/10/19 هـ
اغلاق
خبر عاجل :الداخلية الفلسطينية: مقتل شخص فجر نفسه في قوة أمنية قرب حدود غزة مع مصر
آخر تحديث: 2015/8/4 الساعة 16:37 (مكة المكرمة) الموافق 1436/10/19 هـ

جماليات القتل

*أمير العمري

هل هناك -أساسا- "قتل جيد" وقتل رديء، أو بمعنى آخر، هل هناك قتل يمكن إخراجه بشكل إنساني، وقتل آخر يُمارس بشكل أقل إنسانية، قتل يخالف "جماليات القتل"؟ وما هو الحد الفاصل بين النوعين، وهل "صحوة الضمير" تشمل الاحتجاج على المبدأ أم على التفاصيل، على الحدث، أم على طريقة إخراجه؟

هذه التساؤلات وغيرها بالطبع، تتداعى إلى الذهن بعد مشاهدة الفيلم الأميركي "قتل جيد" (Good Kill) تأليف وإخراج أندرو نيكول. هذا أول فيلم يتعامل مع موضوع استخدام الجيش الأميركي طائرات بدون طيار، في إطار ما يعرف بـ"الحرب ضد الإرهاب"، لتدمير أهداف في اليمن والعراق وباكستان وأفغانستان.

لكننا لا نشاهد هنا الطائرات التي تراقب وترصد وتصور وتتابع وتقصف الأهداف التي يشك الأميركيون في انتمائها لتنظيمات إرهابية، بل نشاهد كيف تتم عملية القنص والتدمير من على مسافة آلاف الكيلومترات، من داخل قاعدة عسكرية تقع في صحراء نيفادا بالقرب من مدينة لاس فيغاس.

بطل الفيلم هو "توم"، وهو طيار أميركي قطع ثلاثة آلاف ساعة من الطيران، عندما كان يقود طائرة حربية من طراز أف16، كما قام بست مهمات عسكرية في العراق وأفغانستان. لكنه عاد الآن إلى الوطن، حيث انتقل للعمل داخل "كابينة" من الصلب في القاعدة العسكرية، وهناك يقوم مع أعضاء وحدته، بمراقبة الأهداف التي تصورها الطائرات التي تعمل بشكل مستمر في أجواء تلك البلدان، وتوجيه أسلحتها ثم قصفها وتدميرها حسب التعليمات.

التعليمات أصبحت الآن تأتي عبر الهاتف مباشرة من المخابرات المركزية من مقرها في "لانغلي" بولاية فرجينيا. ويتخاطب رئيس الفريق الكولونيل (العقيد) جونز مع الطرف الآخر باعتباره فقط "لانغلي، فليس مسموحا باستخدام الأسماء

عبر الهاتف
لكن التعليمات أصبحت الآن تأتي عبر الهاتف مباشرة من المخابرات المركزية من مقرها في "لانغلي" بولاية فرجينيا. ويتخاطب رئيس الفريق الكولونيل (العقيد) جونز مع الطرف الآخر باعتباره فقط "لانغلي"، فليس مسموحا باستخدام الأسماء. وتعليمات المخابرات تبدو أقل حرصا ودقة مما تقضي التعليمات العسكرية، وبالتالي تسمح بالقتل لمجرد الاشتباه، ولا تنتظر التأكد، وهو ما يؤدي إلى قتل الكثير من الأبرياء.

توم يقضي نوبات عمل طويلة وشاقة، يمارس مع زملائه قتل المستهدفين، أيا كانت العواقب، بل وقد أصبح مطلوبا منه أيضا قصف الذين يهرعون للنجدة أو لجمع أشلاء جثث القتلى، فحسب ما تقضي "لانغلي"، قد يكونون من الإرهابيين، بل وقد يطلب منه أيضا كما نرى بالفعل، قصف المشيعين وهم يدفنون جثث الضحايا، أو إعادة قصف مكان القصف الأول بغض النظر عن تجمع النساء والأطفال.

هذه السياسة يوجد بين أعضاء الفريق من يبررها باعتبارها ضمانا لحماية الأرواح الأميركية. يقول الكولونيل جونز ذات مرة لأعضاء الفريق إنه فكر كثيرا فيما إذا كان وقف القتل سيجعل الطرف الآخر يوقف القتل من جانب، وخلص إلى أنها دائرة مفرغة، مستمرة، ولا فائدة بالتالي من التوقف والتفكير. وهو يلخص فلسفته لرجاله بقوله "لا تسألوني ما إذا كانت هذه حربا عادلة، إنها حرب فقط".

يوجد أيضا بين أعضاء الفريق من يعارض تلك السياسة كما تفعل الفتاة الوحيدة بينهم، التي تم إسناد الوظيفة إليها لتفوقها في ألعاب الفيديو، فما نشاهده يشبه تماما ألعاب الفيديو، ولكن الفرق -كما يؤكد الكولونيل جونز- أن "القتل هنا حقيقي، والضحايا من البشر. وهم يطلبون من "توم" أيضا، الانتظار لأن ينقشع الدخان لإحصاء عدد القتلى وإعداد تقرير بذلك. وبعد كل عملية قصف ناجحة يردد الكولونيل "قتل جيد"، تماما كما في ألعاب الفيديو.

مشكلة توم أنه يرى أن هذه الطريقة في القتل غير أخلاقية، بل تتصف بالجبن، لأنها تفقده الإحساس الحي المباشر بالخطر، وبالمواجهة المباشرة مع العدو وهو ما كان يشعر به عندما كان يطير فوق الأهداف بطائرته، وقد أصبح يصاب بنوبات تحرمه النوم، وتتسبب في تدهور علاقته بزوجته الجميلة.

وربما لولا الأداء الجيد من الممثل "إيثان هوك" الذي يضفي أبعادا معقدة ومتضاربة على الشخصية الرئيسية، لما صمدت الحبكة طويلا، فمشكلة الفيلم أن "السؤال الأخلاقي" الذي يتعلق بعدم أخلاقية تلك الوسيلة، (التي برزت كنتاج طبيعي للتطور التكنولوجي من أجل توفير أرواح الطيارين الأميركيين) هو سؤال لا محل له، فما الفرق بين القتل عن بعد، والقتل عن قرب؟

وهكذا يتخبط الفيلم في المعالجة، بين التركيز على تدهور حالة "توم" النفسية نتيجة ابتعاده عن "القتل الجميل" بالطيران الذي يعشقه، وبين رفضه القتل المجاني لمجرد الاشتباه. لكنه مثلا لا يصل في رفضه أو استنكاره لما تصل إليه زميلته الشابة التي تتساءل: ألا يعد هذا نوعا من الإرهاب أيضا؟

وإذا كان اضطراب توم نتيجة لشعوره بالذنب بسبب رضوخه لتعليمات بـ"القتل الرديء" الذي قد يصيب المدنيين ويحدث أضرارا جانبية كثيرة، فهل القتل من داخل كابينة الطائرة التي ترتفع كثيرا فوق الأهداف، وتستخدم أيضا أجهزة التوجيه الدقيقة في القصف، هي نوع من أنواع القتل الجميل؟ هذا التناقض يحسمه في الفيلم منطق الكولونيل جونز الذي يقول لرجاله إن "الحرب هي الحرب".

ليست هناك "جماليات للقتل"، ولكن هناك "تجميل للقتل"، فما نشاهده في الفيلم من القتل عن بعد، عبر أنظمة التكنولوجيا الرقمية الحديثة وشاشات الكمبيوتر وتحريك ذراع كالذي يستخدم في ألعاب الفيديو هو تجميل للقتل

تجميل القتل
ليست هناك "جماليات للقتل"، ولكن هناك "تجميل للقتل"، فما نشاهده في الفيلم من القتل عن بعد، عبر أنظمة التكنولوجيا الرقمية الحديثة وشاشات الكمبيوتر وتحريك ذراع كالذي يستخدم في ألعاب الفيديو، هو تجميل للقتل لدى الأميركيين الذين يمارسونه كما يلهون بالألعاب أمام الكمبيوتر، وهو ما يبدو أن الجميع -باستثناء الفتاة، وهي أميركية لاتينية الأصل- يؤيدونه ويدعمونه بقوة. كل ما في الأمر أن "اللعبة الجديدة" ليست اللعبة المفضلة عند "توم"، فهو لا يزال مرتبطا بلعبته القديمة، أي الطائرة الحربية المدججة بأحدث أسلحة الدمار.

ولعل هذا التخبط في الرؤية هو ما جعل بعض النقاد الأميركيين يرون أن الفيلم يقدم صورة "إيجابية" للتعامل مع الإرهابيين.

المخرج أندرو نيكول يستدر تعاطف الجمهور مع بطله، عندما يجعله سجينا لساعات طويلة داخل تلك الكابينة أو الغرفة الحديدية المقامة مع عشرات غيرها في الصحراء الحارة، محروما من متع الحياة في مدينة لاس فيغاس القريبة التي يمر عليها يوميا، عاجزا عن إشباع رغبات زوجته واللهو مع أبنائه، فهو مقيد بنظام صارم، لا يمكنه الاستقالة منه بسبب التزاماته المالية، عاجز، قلق، لا يكف عن التفكير في المأزق الإنساني الذي وجد نفسه متورطا فيه، وهو يشاهد يوميا على شاشة الكمبيوتر وجوه ضحاياه حتى من المزارعين الأبرياء.

إننا ننتقل طول الوقت، من الظلام داخل غرفة القتل إلى الضوء الساطع في الخارج، ومن أجواء "السجن" التي يعيشها أفراد الوحدة، إلى أجواء لاس فيغاس الصاخبة. وكما تبدو لقطات الأهداف الأرضية في أفغانستان أو اليمن من زاوية مرتفعة أي كما ترصدها كاميرات الطائرات بدون طيار، يستخدم المخرج أيضا الزوايا المرتفعة كثيرا في تصوير "توم" خارج منزله مع زوجته التي تعجز عن استيعاب أزمته فتتركه في النهاية، وهي لقطات تجعل الهدف متدنيا صغيرا مهزوما.

تشيع في الفيلم موسيقى تضفي جوا من التوتر على شريط الصوت يتناسب مع الحالة الذهنية المضطربة لبطله اللابطل anti-hero الذي لا يوحي الفيلم بأنه سيصل إلى حسم أمره في النهاية، لذلك فعلى الأغلب سيصبح -كما تشير اللقطة الأخيرة في الفيلم- في حاجة إلى "تأهيل نفسي" ثم العودة لممارسة "القتل الجيد".
____________
*كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة

التعليقات