أنطوان جوكي-باريس

نعرف المغربي حسن وهبي باحثا نشر دراسات عن مواطنه الكاتب عبد الكبير خطيبي، لكن دواوينه الشعرية لم تنل حقها من الاهتمام، وآخرها "دفاتر نظرة" الذي صدر عن دار "المنار" الباريسية.

في هذا الديوان، يصور وهبي العالم كفيض مستمر من الكائنات والأشكال التي تمنح نفسها لمن لديه الاستعداد والرغبة في النظر والتلقي. لكن أن ننظر، بالنسبة إليه، هو سلفا أن نفكر في الأشياء، أن نكون في علاقة معها ومع الحقائق الصعبة للوقائع البديهية أو المخفية، وهذا يتطلب أن نفتح إدراكنا ونحب اللغة التي تنظر إلى ما يحدث، إلى ما يأتي نحوها على مرّ الأيام.

رجفة الحرف
"أن نفتح بعيوننا/ الرسالة/ قبل حلول/ أي كلام/ قبل ارتجاف/ الحروف./ هل ندرك/ سلفا بعيوننا؟". هكذا، يبدو النظر والإدراك، بالنسبة إلى وهبي، وكأنهما الأمر نفسه، يتطابقان ويتعاونان لا لاختلاق الشعري، بل للإمساك قليلا بانفعال ما يحضر وما يغيب، ما نظن أنه مرئي ولا يمكنه إلا أن يبتعد ويتوارى.

في هذا الديوان، يصوّر وهبي العالم كفيض مستمر من الكائنات والأشكال التي تمنح نفسها لمن لديه الاستعداد والرغبة في النظر والتلقي. لكن أن ننظر، بالنسبة إليه، هو سلفا أن نفكر في الأشياء

"في عيني/ هذا الجسد الذي يعبر/ هذا الطير اليقظ/ ظاهر الأشياء/ جميع هذه الوجوه التي تنتهي/ في بلبلة الوفرة/ هذه العلامات المشتتة:/ جسدٌ واقعي/ لما يفر".

وفي معرض تشخيصه لوضعنا الراهن، يلاحظ الشاعر أننا "لا ننتمي/ اليوم/ سوى إلى هذه الدار الاجتماعية/ حيث يغرق النظر/ في ضجيج الألوان/ في تمزق الأعمال/ وسَوْرة البشر".

ولذلك، يدعونا إلى "أن نبسط النظر/ بلا أفق/ بلا سبب/ بلا غرض"، إذ "ثمة لحظة، نادرة/ تظهر فيها طبيعة الأشياء/ كحقيقة مفهومة/ ثم يتوارى كل شيء/ تُغلَق العينان/ ونفقد بصيرتنا/ في عُرْف العمى".

وللتعبير عن المسافة التي تفصله عن أولئك الذين ينتشون في هذا العُرف، يقول "مصدرهم ليس مصدري/ أصدّق بالغياب/ يصدّقون ببحبوحة السماء/ أنا في مرض الوعود/ هم في نشوة الآني/ يتشبث بي عري الأماكن/ يتوقون إلى مملكة، إلى أصواتها/ أموت في تقليد الأحلام/ يضعون مرايا في كل مكان يعبرونه/ مخضعين الظل والضوء/ ومتناسين بساطة النظرة".

نعم، بساطة النظرة أو عذريتها التي تبدو مهددة حتى من طقس الكتابة نفسه "كلما كتبتُ نقص ما أعرفه/ أين رحلت نظرتي الأولى؟"، علما أن المهم، بحسب وهبي، هو "ليس ما/ نُبصر/ بل ما يأتي/ بعد أن نُبصر/ أو نظن أننا أبصرنا"، و"أن نكتفي بوميض/ الممكن/ دون مصارعة/ من أجل ما هو غير محتمَل/ أن نقبل المشكوك به/ المتروك/ في الدار الخفية".

أسئلة الشعر الكبرى
باختصار، يطرح حسن وهبي في هذا الديوان، كما في جميع دواوينه السابقة، أسئلة الشعر الكبرى لاختبار عالم يبدو له وكأنه مجرد ضجيج حلم "ماذا أرى؟/ حلم العالم".

لا تسعى قصائد الشاعر المغربي القصيرة والمشغولة بيد صائغ إلى مصالحتنا مع حياتنا أو مع العالم، بل إلى تضليلنا وإفقادنا معالمنا من أجل حثنا على أخذ دروب جديدة والخروج من متاهة عاداتنا

وفي هذا السياق، يضع وهبي نفسه في امتحان الازدواجية، بين عبء العادات والبحث عن قدر آخر، بين حمى الماضي ومستقبل غير محتمَل، بين الـ"هنا" المخيب للأمل وغير المكتمل، والرغبة في البعيد.

وإذ يمكن لهذا البعيد المرغوب أن يكون "هناك/ (حيث) يمكننا أن نرى المُدد/ إيقاعات العبور/ الآثار المغطاة/ بآثار أخرى"، يمكنه أيضا أن يكون "قرب بضعة وجوه/ بضعة أيدي"، أو في تلك الحالة التي نكون فيها متناغمين "مع الرياح الخفيفة لزمننا"، وتسمح لنا بالتيه "بين الحجارة والأوراق/ بين مديح الشجر وارتعاش الثمرة".

يبقى أن نشير إلى أن الأسئلة في هذا الديوان تتوالى من أجل تقفي أثر البديهيات التي تعمي بصرنا.

ولا تسعى قصائد الشاعر المغربي القصيرة والمشغولة بيد صائغ إلى مصالحتنا مع حياتنا أو مع العالم، بل إلى تضليلنا وإفقادنا معالمنا من أجل حثنا على أخذ دروب جديدة والخروج من متاهة عاداتنا "عند الصباح/ قهوة/ وها قد حل صدى العالم/ الشجاعة الصامتة/ للبدء من جديد/ الدرب هناك/ في ترتيب الخطى (...)".

وبالتالي، يبدو ديوان "دفاتر نظرة" كمكان عبور مساري ينطلق من استنتاج تساؤلي كي نقيس تصدّعات وجودنا قبل أن نتبين قدرا آخر وإمكانيات حياة أخرى.

المصدر : الجزيرة