علي البتيري*

الأدب الإلكتروني مصطلح جديد أفرزته الثورة التكنولوجية التي يشهدها العالم هذه الأيام، والتي انعكست آثارها الإيجابية والسلبية على عالمنا العربي.

فعلى العديد من المواقع الإلكترونية في الشبكة العنكبوتية، وبخاصة على صفحات الفيسبوك، أصبحنا نطالع الكثير من النتاج الأدبي بغثه المتزايد وسمينه القليل، حيث ينشر هذا النتاج الغزير دون أدنى تقييم له، ودون تحديد لصلاحية نشره من منظور الجودة أو عدمها.

فساحة الحرية الإعلامية التي دشنتها شبكة الإنترنت منذ زمن قصير، واتساع مساحة هذه الساحة الذي لم تعد له حدود، قد فتح باب النشر الأدبي على مصراعيه، وأصبحت عبارة صلاحية النشر شيئا من الماضي.

ففي سوق الفوضى هذه، أصبح بمقدور صاحب الموهبة الضحلة أو السقيمة أن يصبح بين عشية وضحاها شاعرا أو قاصا أو كاتبا دراميا يُشار له بالبنان، ويتلقى على صفحته أو موقع مجموعته الأدبية زخات ممطرة من التعليقات والإعجابات التي تشيد بموهبته وإبداعه، معتمدا في ذلك على الثقافة المتدنية عند من يطالعون تعليقاته الأدبية الجديدة ويثنون عليها.

حالة مرضية
وتستشري هذه الحالة المرضية في مجال الأدب الإلكتروني ويتضخم بغزارة الإطراء والثناء على نماذج أدبية ضعيفة وباهتة إذا ما كان النص المنشور إلكترونيا لشاعرة أو قاصة ومتذوقوه المعجبون به من الذكور دون الإناث، حيث تنهال التعليقات الفائضة بالنفاق المتخابث أو الخبيث من قبيل "رائع، مدهش، متوهج، وإبداع كله رقي وتألق"!

الكاتب في الفضاء الإلكتروني هو الناشر والمروج لنتاجه، وهو إذ لا يعدم نفرا من المعجبين الفقراء الذوق والثقافة يثير في المقابل سخط الكثير من المبدعين الحقيقيين في مجال الأدب، وبالتأكيد يقلق عددا من نقاد الأدب الجادين إذا ما تعثروا مصادفة بمنشوراته

والكاتب في هذه الحالة هو الناشر والمروج لنتاجه، شاء من شاء وأبى من أبى، وهو إذ لا يعدم نفرا من المعجبين الفقراء الذوق والثقافة يثير في المقابل سخط الكثير من المبدعين الحقيقيين في مجال الأدب، وبالتأكيد يقلق عددا من نقاد الأدب الجادين إذا ما تعثروا مصادفة بمنشوراته السقيمة الهابطة، والتي تشبه الحجارة الخشنة على طريق الإبداع الأدبي المعافى والرصين.

لنعترف بأن هذه الظاهرة الأدبية الإلكترونية قد شكلت تحديا ماثلا للعيان، ليس للأدباء العرب روادا ومبدعين فحسب، وإنما لمكانة الأدب العربي المعاصر حيث تدفعه إلى الوراء ونحو الظل لتتقدم عليه بوسائلها الإعلامية الأكثر رواجا وانتشارا من المادة الورقية المتعارف عليها، إذ تأخذ ببضاعتها الهزيلة مكانا متقدما تحت الشمس له الصدارة واجتذاب الأضواء.

إن استمر هذا الوضع بسلبيته وخطورته سنشهد تراجعا للأدب المطبوع بكل ألقه وتميزه أمام الأدب الإلكتروني المتواضع وغير المعافى الذي تزيد تراكماته يوما بعد يوم.

وأخطر ما في هذا الأدب الإلكتروني أنه يطرح نفسه من تلقاء نفسه دون ضوابط نقدية ودون مواصفات ومقاييس إبداعية كبديل عن الأدب الورقي المطبوع، مما يوحي للباحث أو المراقب للحركة الأدبية بضمور الأدب الجاد وتقوقعه على ذاته مقابل هذا الأدب العابث والمنتشر عبر وسائل الإعلام الإلكترونية انتشارا واسعا له بريقه الخادع للأبصار والبصائر، كما أن له جمهوره من أنصاف المثقفين وأرباع المتذوقين الذين يروجون له ولأصحابه ويكيلون له ولهم الثناء والمديح.

أدب بديل
الوضع أصبح لا يحتمل، كما أصبح خارج السيطرة، فالشاعر أو القاص المدعي للتألق والإبداع المنقطع النظير يصدّق نفسه ويأخذ منه الغرور كل مأخذ، فيبادر إلى تأسيس مجموعة من الأدباء الضعفاء من أمثاله يضع لها حسابا إلكترونيا ويختار لها اسما فخما في عالم الأدب يوهم المتصفح الزائر بأن هذا الموقع الإلكتروني البراق هو الناطق الإبداعي الوحيد باسم الأدب العربي المعاصر، وتنطلي اللعبة على الكثير ممن عزفوا عن قراءة الأدب المطبوع، وسحر عقولهم -قبل عيونهم- الأدب المرئي على الشاشة الإلكترونية الساحرة لزائريها الكبار والصغار على حد سواء.

على نقادنا من ذوي الكفاءة والخبرة وأدبائنا المبدعين من أصحاب التجارب المفتوحة أن يؤسسوا الصفحات والمواقع الأدبية الجادة المكتنزة لتطرح نتاجها النقدي والأدبي كإبداع بديل عن هذا النتاج الأدبي الفجّ

لم يعد السكوت ممكنا على هذه الظاهرة السلبية، إذ لابد من كلمة تفتح الباب لفعل ما يمكن أن يحُدّ من هذه الظاهرة وعدواها سريعة الانتشار.

وأول التصدي يكون بتنبيه النقاد الأدبيين الجادين والحريصين على مكانة الأدب العربي المعاصر لما يجري عبر الشبكة العنكبوتية من تلفيق وتزييف وإيهام وإفساد ذوق في إطار الكتابة الضعيفة المفتقرة لأبسط قواعد التأليف الأدبي، والمتجاهلة لأصول الإبداع وفن الشعر أو القصة أو المقالة.

وحين ننتبه نقادا وأدباء لتطفل أقلام صغيرة ومواهب فقيرة على حقول الأدب المختلفة، والذي يشبه تطفل الجراد على الزرع الأخضر، حين ننتبه لهذا ونتدبر ونقيس مدى خطورة انعكاس هذه الظاهرة على مجمل الحركة الأدبية في عالمنا العربي، يسهل علينا معالجة الأمر وتحجيم المشكلة، لا بالتقليل من أهميتها ولكن بحصرها في إطار تأثير محدود.

علينا ألا نجلس على السور لنتفرج ونسخر مما يجري في وضح النهار، وإنما يجب على نقادنا من ذوي الكفاءة والخبرة وأدبائنا المبدعين من أصحاب التجارب المفتوحة أن يؤسسوا الصفحات والمواقع الأدبية الجادة المكتنزة لتطرح نتاجها النقدي والأدبي كإبداع بديل عن هذا النتاج الأدبي الفج الذي يتقنّع بالإبداع والتميز.

وبالأحرى علينا أن ننتصر للأدب الجيد المطبوع وتحويله إلى أدب مرئي يدفع بعجلة الأدب الغث والرديء إلى الخلف خطوات وخطوات تجعل حركة الأدب العربي المتقدمة بامتياز في مأمن من وصفها بالتراجع أو الهبوط.
__________________

* كاتب وشاعر فلسطيني

المصدر : الجزيرة