الممثلة إنغريد برغمان.. سويدية أشرقت بأميركا
آخر تحديث: 2015/8/27 الساعة 16:38 (مكة المكرمة) الموافق 1436/11/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/8/27 الساعة 16:38 (مكة المكرمة) الموافق 1436/11/13 هـ

الممثلة إنغريد برغمان.. سويدية أشرقت بأميركا

نجمة هوليود السويدية فازت بجائزتي أوسكار في مسارها الفني (غيتي)
نجمة هوليود السويدية فازت بجائزتي أوسكار في مسارها الفني (غيتي)

الصحبي العلاني

رغم مرور قرن كامل على ميلادها و33 عاما على وفاتها، ما زال عشاق السينما والمتخصصون في تاريخ الفن السابع يسلطون الأضواء على المنجز الإبداعي للممثلة السويدية إنغريد برغمان (1915-1982).

احتلت برغمان باسمها وبتجاربها في الأداء على المسرح وأمام الكاميرا، مكانا قلّما استطاع الارتقاء إليه غيرها من الممثلين والممثلات ذوي الصيت العالمي، فقد ظلت طيلة حياتها وبعد مماتها علامة مميزة، بل أيقونة فريدة، يكمن سرها في قدرتها الدائمة على التحول والتجدد والهروب إلى الأمام.

سنة أولى مسرح
في أسرة محافظة من أسر العاصمة السويدية ستوكهولم، فتحت إنغريد برغمان عينيها. ورغم أن القدر كان يدفعها إلى المكوث في المنزل ورعاية شؤونه بعدما فقدت أمها باكرا، فإنها اختارت المضي في الطريق الذي رسمته لنفسها منذ أن اكتشفت صحبة أبيها عوالم المسرح والتمثيل.

كان الطريق صعبا ومحفوفا بالأحكام المسبقة والمواقف الاجتماعية السلبية السائدة التي كانت تعتبر الفن الرابع -بل الفنون بكافة أرقامها- عملا لا يليق بأبناء الأسر الكريمة.

إنغريد برغمان انتقلت من المسرح إلى السينما بحثا عن الشهرة (غيتي إيميجز)

ولكن إنغريد برغمان أصرت واختارت التحدي، فما إن بلغت الثامنة عشرة من عمرها حتى تقدمت لإجراء اختبارات القبول في "الأكاديمية الملكية للفنون الدرامية بستوكهولم" واجتازتها بنجاح، بل بتفوق، إلى درجة أن أحد أعضاء اللجنة -وهوالممثل والسيناريست والمخرج السينمائي آلف فريرباي (1903-1980)- أسرّ لها بأنها ربما سيستحيل عليها أن تنجز على امتداد مسيرتها الفنية نفس ما أنجزته في مفتتح تلك المسيرة أثناء الاختبار.

ومع ذلك، وخلافا للمتوقع والمنتظر، فإن إنغريد التي عشقت المسرح وأسرتها خشبته وحركت خيالها شخوصه، ستلقي بأول أحلامها خلف ظهرها وستكتفي بسنة أولى يتيمة في أكاديمية الدراما بعدما أدركت أن الفن السابع يمكن أن يفتح أمامها آفاقا من المجد والشهرة أضعاف ما يمكن أن يفتحه أمامها الفن الرابع.

طلقت الفنانة السويدية المسرح -إلى حين- وارتبطت بالسينما لتشارك في ستة أفلام من أهمها شريط "أنتارميزو" أو "فاصل موسيقى" (1936) للمخرج السويدي غيستاف مولندر (1888-1973).

كانت حكاية الشريط بسيطة للغاية وذروته الدرامية مألوفة إلى أقصى حد؛ فهو يروي مغامرة رب أسرة عادية (أدى الدور الممثل السويدي الشهير غوستا إيغمان) يقع في غرام فتاة تتردد على بيته لتعليم أحد أبنائه أصول العزف على آلة البيانو.

الممثلة السويدية دخلت متحف مدام توسو للدمى المنحوتة من الشمع (غيتي إيميجز)

وقد طلب المخرج من أنغريد برغمان -التي أسند إليها دور الفتاة- أن تدرس الشخصية بعمق، ولكنها لم تكلف نفسها عناء ذلك، بل قررت أن تؤدي الدور بمنتهى العفوية، تماما كما هي، بلا زيادة ولا نقصان.

وكان هذا هو السر الذي فتح أمامها أبواب السويد. ولكنها بدل البقاء في حدود بلادها الأم اختارت أن تعانق آفاق العالم الرحبة.

الطريق إلى هوليود
منذ أوائل الثلاثينيات، رسّخ الفن السابع قدميه عبر أرجاء المعمورة، واكتسبت بعض الأعمال المتميزة -التي طالما ظن أصحابها أنها محلية الصنع- قدرة على الوصول إلى هوليود، قلب السينما النابض.

ولم يشذّ الشريط السويدي "أنتارميزو" الذي كانت إنغريد برغمان بطلته عن هذه القاعدة. فقد تنبه المنتجون الأميركان إلى قيمته فاقترحوا إعادة إنجازه وفق معاييرهم، وأوكلوا المهمة إلى المخرج غريغوري راتوف (1897-1960) الذي قدمه إلى الجمهور سنة 1939 بطاقم من الممثلين لم يحتفظ فيه إلا بالأيقونة إنغريد برغمان القادمة من صقيع السويد إلى أمجاد هوليود، بعدما اهتدى إلى ذلك السر الذي ظلت تصر على إخفائه رغم أن العين البصيرة لا تخطئه، سر هو أقرب إلى السحر كانت فيه تقاسيم وجهها ونظراتها وهمساتها وسكناتها وملامحها والتفاتتها وإيماءاتها أكثر تعبيرا من أي كلمة تنطق بها ومن أي جملة تصدر عنها.

وهل يطلب المخرجون، كبار المخرجين، غير هذا حتى تكون اللقطات التي يختارون زواياها معبرة ببلاغة الصورة دونما حاجة إلى بلاغة الكلمة؟

وانطلاقا من شريط "أنتارميزو" في نسخته الهوليودية، عبرت إنغريد برغمان نهائيا إلى فضاء العالمية، فشاركت على امتداد عشر سنوات (من 1939 إلى 1949) في 17 شريطا سينمائيا تحت إدارة كبار المخرجين، بينهم سام وود (1883-1949) في شريطه "لمن تقرع الأجراس" (1943) المأخوذ عن رائعة الروائي الأميركي إرنست هيمنغواي (1899-1961)؛ وألفريد هيتشكوك (1899-1980) في أفلامه "منزل الدكتور إدواردز" (1945) و"المقيدون" (1946) و"عشاق برج الجدي" (1949)؛ ومايكل كورتيز (1866-1962) في شريطه الأشهر "كازابلانكا" أو "الدار البيضاء" (1942).

نجمة السويد إنغريد برغمان رفقة المخرج السويدي إنغمار برغمان في مهرجان كان عام 1973 (غيتي إيميجز)

ومن خلال أدوارها المتعددة في هذه المرحلة، استطاعت إنغريد برغمان أن تثبت جدارتها بعدما رشحت إلى جوائز الأوسكار، وظفرت سنة 1944 بجائزة أفضل ممثلة؛ ولكنها اهتدت -وهذا الأهم- إلى ثاني أسرار النجاح -بالإضافة إلى عفوية الأداء وتعبيرية الوجه- حيث أدركت أن الممثل القدير ليس ذاك الذي يحصر نفسه في قالب واحد لا يخرج عنه حتى لو نالت أدواره القديمة رضا الجمهور، بل الممثل القدير هو ذاك الذي يتقلب عبر الأدوار وينعتق من أسر نجاحه في انتظار نجاحات أخرى غير متوقعة.

ولكن هذا الدرس قادها إلى طريق الآلام بعيدا عن مسارها الأول، مسار الأحلام، بعدما تعلقت بالمخرج الإيطالي روبرتو روسليني (1906-1977) الذي قلب حياتها رأسا على عقب.

الواقعية والاضطرام
على امتداد ما يناهز العقدين من الزمن، ظلت أنغريد برغمان -في قرارة نفسها وفي تفاصيل أدائها وفي نظر جمهورها- رمزا للرومنسية الفائقة والطهرانية التي لا يمكن أن تشوبها شائبة، تماما كما هو حالها في حياتها الشخصية، وهي التي تزوجت باكرا من الدكتور بيتر لندستورم الذي ظل إلى جانبها في طريق الأمجاد.

ولكن هذه الصورة المثالية سرعان ما انقلبت إلى النقيض بعدما التقت نجمة الشباك العالمية بالمخرج الإيطالي روبرتو روسليني بمناسبة أدائها لدور في شريطه "سترومبولي" (1950)، لقاء قررت بعده أن تنفصل عن زوجها وأن تغير وجهتها صوب أوروبا القارة العجوز مخلفة وراءها موجة من الاستياء العارم، سواء في أوساط منتجي هوليود رعاة القيم الأميركية المحافظة أو لدى عامة المشاهدين والمعجبين الأميركان الذين رأوا في صنيعها تهورا لا نظير له واستسلاما للنزوات على نحو لا ترضاه الأعراف الاجتماعية.

صورة إنغريد برغمان في الملصق الرسمي لمهرجان كان في دورته 68 العام 2015 (رويترز)

ولكن هذه الخطوة التي بدت لعامة الناس غير محسوبة أتاحت لإنغريد برغمان أن تطور تجربتها الفنية. فقد اكتشفت مع زوجها الجديد المخرج روبرتو روسليني نمطا سينمائيا جديدا هو ذاك الذي سيصطلح نقاد السينما على تسميته بـ"الواقعية الإيطالية الجديدة"، نمط أسهمت فيه إنغريد برغمان بعدد من الأشرطة من أهمها "أوروبا 51" (1952) و"رحلة إلى إيطاليا" (1954).

وبعد سبع سنوات من الغياب عن هوليود وعن أميركا، تعود إنغريد برغمان إلى موطن أمجادها الأول ويقع استقبالها بحفاوة لتواصل مسيرتها وتحصل مرة أخرى في عام 1974 على جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة عن أدائها لشخصية غريتا أولسون في شريط "جريمة قتل في قطار الشرق السريع" للمخرج سيدني لوميت (1924-2011).

في هذه المسيرة التي امتدت زهاء نصف قرن، استطاعت أنغريد برغمان أن تحافظ على صورتها كأيقونة من أيقونات السينما العالمية، أيقونة متعددة الوجوه متداخلة الأضواء متقلبة الأطوار، ولكنها مع ذلك ثابتة القيمة عبر رصيد من الأعمال الفنية السينمائية والمسرحية التي جعلت منها مرجعا في تاريخ الفن السابع ونجمة لا تنسى، إلى درجة أن مهرجان "كان" في دورته الأخيرة (2015) اختارها رمزا لشعاره الذي أطل به على العالم طيلة أيام.

المصدر : الجزيرة

التعليقات