ناصر يحيى*

لا جدال في أن المرأة/الأم هي الرمز الخالد والأكثر شهرة في الحنان والعطف على الأبناء، والتضحية من أجل توفير ما يشتهون، ورفض التخلي عنهم ولو كان ثمن ذلك التضحية براحتها وسعادتها.

وفي التراث الإنساني الأدبي والفني بكل اللغات الكثير من تلك النماذج عن الأم الحنون التي ضحت بكل شيء من أجل الأبناء، خلدها الأدباء والفنانون في أعمال راقية من باب الوفاء لتلك الإنسانة العظيمة في حياة كل إنسان.

لكن ماذا عن الأب أو الجزء الآخر من منظومة الأسرة؟ ألا يستحق هو الآخر -مثل الأم- شيئا من هذا التكريم والإجلال، وهو الذي يفني عمره ويستنزف قوته وصحته ليوفر للأبناء حاجتهم بما هو ضروري للحياة؟

هل الوجه الصارم للأب والانشغال الدائم في الخارج يعني أنه لا يحمل بين جنبيه قلبا محبا وعطوفا يتألم لآلام الأبناء، ويشتاق لهم عندما يغيبون، ولا يرضى بهم بديلا، ويضحي بكل شيء من أجل سعادتهم والبقاء بجانبهم؟

الأب.. الحنون!
ليست قليلة الأعمال الأدبية والفنية الخالدة التي تناولت علاقة الآباء بالأبناء، لكنها غالبا ما ارتبطت بحوادث بعضها سعيد كالولادة، وبعضها حزين كالوفاة، ومن النادر أن نجد أعمالا تجسد صورة الأب المحب المتعلق بهم، الحنون، الرحيم بالأبناء الحريص على راحتهم ومستقبلهم ولو قدم روحه في سبيل ذلك.

هناك عدد من الأعمال الأدبية والفنية الخالدة تبوأت مكانة سامية بسبب تجسيدها للحنان الأبوي، وتضحيات الآباء وتعلقهم بالأبناء كالأمهات تماما، فهم لا يقلون عنهنّ حبا للأبناء

لكن بقليل من التدقيق في تاريخ الإبداع الإنساني، نجد أن هناك عددا من الأعمال الأدبية والفنية الخالدة تبوأت مكانة سامية بسبب تجسيدها للحنان الأبوي، وتضحيات الآباء وتعلقهم بالأبناء كالأمهات تماما، فهم لا يقلون عنهنّ حبا للأبناء، وحنانا وتضحية، كما هو مشهور في أعمال أدبية: كرواية "البؤساء" لفيكتور هوغو، وفيلم "الطفل" لشارلي شابلن، وقصيدة "أب" للشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري، وفيلم "كرامر ضد كرامر" لداستين هوفمان.. وفي كل هذه الأعمال الرائعة كان الأب هو بطل الحب والحنان والتضحية من أجل الأبناء.

زمنيا، رواية "البؤساء" هي الأقدم، وهي حكاية طويلة جدا عن البؤس الفظيع في فرنسا في القرن الثامن عشر وما قبله.

 لكن بطل الرواية "جان فالجان" جسد أيضا صورة الأب المحب الذي يضحي بكل شيء من أجل راحة ابنته وسعادتها، رغم أن "كوزيت" ليست ابنته في الحقيقة، فقد تبناها ورعاها تكفيرا عن إساءة إدارة مصنعه لأمها مما تسبب في موتها!

وفي الجزء الأكبر للرواية عمل الأب كل ما يستطيع لحماية الابنة وإسعادها، حتى أنه زج بنفسه في أتون ثورة شعبية لإنقاذ حبيبها من الموت.

وفي فيلم "الطفل" (1921)، قدم شارلي شابلن رواية إنسانية في غاية الجمال عن رجل رقيق الحال تبنى رضيعا عثر عليه مرميا في الشارع فكان له الأم والأب معا، يطعمه ويلاعبه ويغسل ثيابه المتسخة، ويمنحه من الحب والحنان ما يحتاجه كل طفل.

في فيلم "الطفل"، قدم شارلي شابلن رواية إنسانية في غاية الجمال عن رجل رقيق الحال تبنى رضيعا عثر عليه مرميا في الشارع فكان له الأم والأب معا

وعندما أرادت الشؤون الاجتماعية انتزاع الطفل منه لتوفير رعاية مناسبة له رفض "الأب" الفقير أن يتخلى عن ولده، وقاوم بشراسة من جاؤوا ينتزعون منه طفله حتى أفشل محاولة حرمانه من فلذة كبده وقرة عينه.

وبعد أكثر من نصف قرن في عام 1979، قدمت السينما الأميركية فيلمها "كرامر ضد كرامر" للممثل المتميز داستين هوفمان، وهو قصة رجل شغلته رغبة النجاح في عمله عن أسرته حتى ضاقت زوجته فهجرت البيت وتركته مع ابنهما الصغير.

ومع أن الأب لم يكن يعرف شيئا عن تربية الأطفال إلا أنه سرعان ما تحول إلى أب وأم في وقت واحد.

وعندما أرادت الأم الهاربة أن تضم إلى حضانتها طفلها رفض "الأب" مسعاها، ليس عنادا ولكن حبا في طفله الذي تعلق به وصار بالنسبة إليه كل شيء في الحياة، وخاض الأب معركة قضائية عنيفة ضد زوجته ليثبت أحقيته في حضانة الطفل ورعايته، وأنه لا يقل عن الأم حبا له وتعلقا به.

أب.. عربي
في الأدب العربي المعاصر، خصص الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري ديوانا وضع فيه قصائده التي صور فيه عاطفته تجاه أولاده وحبه لهم، وفي هذا الديوان النادر كانت قصيدة "أب" واسطة العقد الجميل، وهي قصيدة في غاية العظمة الإنسانية.

في الأدب العربي المعاصر، خصص الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري ديوانا وضع فيه قصائده التي صور فيه عاطفته تجاه أولاده وحبه لهم، وفي هذا الديوان النادر كانت قصيدة "أب" واسطة العقد الجميل

وفي أمسية شعرية في صنعاء، سمعنا الأميري ينقل رأي عباس العقاد فيها "لو كان للأدب العالمي ديوان من جزء واحد لكانت هذه القصيدة في طليعته".

زمن القصيدة يعود إلى 1957 حينما كان الأميري يعمل في لبنان، وفي الصيف حل أولاده عنده قادمين من حلب، ولما اقترب موعد الدراسة عادوا وتركوا أباهم الوله بهم وحيدا غارقا في ذكرياتهم العذبة، فكانت قصيدة "أب" النادرة في تصوير مشاعر الرجل/الأب الفياضة تجاه أبنائه.

وبعد رحيلهم فاضت مشاعر الشوق العاجل فعاش مع الذكريات:

بالأمس كانوا ملء منزلنا    واليوم، ويح اليوم قد ذهبوا
إني أراهم أينما التفتت       نفسـي وقد سكنوا، وقد وثبوا

إلى أن يقول:

قد يعجب العذال من رجل   يبكي، ولو لم أبكِ فالعجبُ
هيهات ما كل البُكا خوَر    إني وبي عزم الرجال أبُ
_________________

* كاتب صحفي يمني

المصدر : الجزيرة