علي البتيري

حين كنا طلابا على مقاعد الدراسة الثانوية في مدينة بيت لحم الفلسطينية، كنا نكثر من الحديث عن أشعار الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي ونتبادل قراءة دواوينه، وحين لا نجدها نبحث عن أي قصيدة له في مجلة ما.

كنا معجبين بشعره متحمسين لقراءته، إذ كان في نظرنا رائداً للحداثة الشعرية إلى جانب مواطنيْه الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة.

أحبَبْنا الشعر الحديث في وقت مبكر من العمر، ولكننا كنا أكثر حماسة لقراءة أشعار البياتي لدفاعها الجميل عن الفقراء والكادحين والمظلومين الطامحين للتحرر والحرية.

انفرط عقد التلمذة وفرقتنا الأيام، وبعد أعوام تلتها أعوام وجدتني في أبوظبي أسارع لحضور أمسية شعرية لعبد الوهاب البياتي في النادي السياحي الثقافي.

كان ذلك بالنسبة لي حلما يتحقق، ولم أصدق خطاي حين أوصلتني وأوصلتها إلى هناك، حيث جلست أستمع لشاعر ذي قامة عالية يلقي قصائده فينال الإعجاب والتصفيق.

بعد أن فرغ البياتي من إلقاء قصائده دار نقاش قصي، وأثناء النقاش وطرح الأسئلة بادرته مندوبة صحيفة الخليج سائلة عن رأيه في قصيدة النثر. أجاب البياتي بجرأته المعهودة: إنها ليست قصيدة على الإطلاق، وفي وسع أصحابها أن يسموها أي شيء ما عدا أن يسموها شعرا.

أحسب أن البياتي لم يتوقع أن يكون سؤال تلك الصحفية قد تم تمريره على لسانها من قبل الشاعر محمد الماغوط الذي كان يعمل رئيساً للقسم الثقافي في صحيفة الخليج

فارس الحداثة
أحسب أن البياتي لم يتوقع أن يكون سؤال تلك الصحفية قد تم تمريره على لسانها من قبل الشاعر محمد الماغوط الذي كان يعمل رئيسا للقسم الثقافي في صحيفة الخليج، وحتى لو كان يتوقع ذلك فإن إجابته لم تكن تتغير في حزمها وحسمها، فقد عرف عن البياتي جرأته وصراحته في نقد الشعر والشعراء العرب.

بعد انتهاء الأمسية وترجل فارس الحداثة الشعرية عن المنصة أحسب أنني كنت أول المصافحين له، ومن منطلق محبتي له أعترف بأنني كنت فضوليا في ملازمتي له بغية أن أحصل على موعد محدد للقائه.

وبالفعل التقيته بمقر إقامته في الفندق، وكم كنت سعيداً بذلك اللقاء الذي جمعني أيضاً بصحفي سوداني كان قد حضر لإجراء حوار مع البياتي. وكنت أكثر سعادة حين هممت بالمغادرة وشدّ البياتي على يدي معرباً عن رغبته في لقاء آخر قبل أن يعود إلى مدريد.

وبعد يومين عدت إلى البياتي ومعي الشاعر جميل أبو صبيح، ودون أن أخبره بما دار بيني وبين الماغوط من حديث، رحنا نوجه له دعوة لنزهة بحرية شاعرية في بحر الخليج.

كان البياتي في وضع صعب إثر تعرضه لحادث سير في إسبانيا وقد حضر إلى دولة الإمارات العربية بعكازتين يستند عليهما. اعتذر في البداية عن تلبية الدعوة بسبب وضعه، ولكنه في النهاية وافق أمام إصرارنا.

ساعدناه على الجلوس في مقدمة القارب، ووضعنا العكازتين إلى جانبه بينما جلسنا خلفه. وما هي إلا دقائق من عمر النزهة القصير حتى انقلب الحال ومال، وأخذ القارب يترنح بنا يمنة ويسرة ويهبط بشكل يبعث على القلق، ويشعرنا بأننا قد أشرفنا على الغرق.

البياتي الجالس في المقدمة ظل أمامنا هادئا متزنا لا يلتفت حوله أو خلفه، وكأن شيئاً لا يحدث لنا وللقارب الذي هبط بنا قليلا في الماء

الطود الثابت
شعرنا بالارتباك، واحتمال الفقدان الفوري للحياة، فأخذت وصديقي الذي بجانبي نتمتم بالشهادتين وقلقنا المتزايد لا يوصف بشعر أو نثر، بينما البياتي الجالس في المقدمة ظل أمامنا هادئاً متزناً لا يلتفت حوله أو خلفه وكأن شيئاً لا يحدث لنا وللقارب الذي هبط بنا قليلاً في الماء. ظل يجلس أمامنا بوقار نادر كطود ثابت يسخر من ضوضاء الرياح العاتية.

كانت عوامة القارب تمتلئ بالماء. ربط ربان القارب الهندي ذو الملامح الغليظة وسطه بالحبل الذي كان بحوزته وغطس في الماء، وتمكن من تفريغ العوامة الممتلئة فانقذنا من غرق محتم، وحين فرغ من مهمته طلبنا منه على الفور أن يعود إلى الشاطئ.

رغم تعجبنا من هدوء شاعرنا الضيف وثباته أمام خطورة ما لقيناه، لم يجرؤ واحد منا أن يسأله عن ذلك التماسك العجيب في وجه تلك الحادثة البحرية.

ولكني بعد سنوات عندما جمعنا لقاء في مهرجان جرش للثقافة والفنون، رحت أفك عقدة اللسان وأسأله عن سر ثباته واتزانه العجيب إزاء خطر داهم كان يحدق بنا. فبعد أن فرغ من سرد الحكاية للشاعر المصري محمد التهامي، وضع يده على كتفي -رحمه الله- وقال للتهامي: أرأيت كيف جمعتني بصديقي البتيري حادثة موت لم يتم في مياه الخليج! هنا تشجعت بطرح السؤال قائلا: ولكن يا أبا علي ما سر ذلك الثبات العجيب الذي كان يظهر عليك جليَّا في تلك الورطة البحرية بينما كنا نحن نرتعد من الخوف والهلع؟

ابتسم أبو علي ابتسامة هادئة ثم أجاب: كنت خائفا مثلكم وكدت أضطرب مثلكم، ولكني تماسكت وتحليت بطباع الجبال لأنني خشيت أن يكون أحدكم يجيد السباحة، فينجو من الغرق ويخرج إلى الناس بتلك الحكاية ليقول: كان الشاعر البياتي خائفا من البحر وجبانا في مواجهة الموت!

لم أعلق بشيء ولذت بصمتي، ولكني قلت في نفسي: هذه هي طبيعة الرواد حين يمشون في الطليعة فيداهمهم خطر ما.

المصدر : الجزيرة