هيثم حسين

يلتقط السوري موسى رحوم عباس في مجموعته القصصية "بروق على ثقوب سوداء" حكايات ووجوه من شردتهم الحرب، وملامح من قضت على أحلامهم.

ويشير عباس إلى أن جردة الحساب التي تلي الحرب تكون قاصمة للظهور، فالمفقودون والراحلون والشهداء والقتلى والمشردون أكثر من الناجين الباقين، وهنا تكون المأساة المتجددة التي تحياها الأُسر التي تجد نفسها وحيدة غريبة في محيط مفعم بالضغائن.

يعتمد القاص السوري في مجموعته -التي نشرتها "فضاءات" (2015)- عناوين لكل قصة، العنوان الأول عبارة عن تسلسل من الأوراق، كل قصة تكون عبارة عن ورقة، يبتدئ بالورقة الأولى وينتهي بالورقة المئة، ويختار لكل ورقة عنوانا مستقلا رئيسيا بدوره، أي أن سلسلة الأوراق تمضي في ترتيب وتعقيب، في حين أن العناوين الأخرى ترمز إلى مفارقات ومواقف من الواقع المعيش.

بهجة الأمل
يلتقط القاص أجواء كابوسية تعيشها شخصياته، فالأحلام تتخلل الزنازين وتسبغ على حياة السجناء بهجة الأمل رغم عذابات السجن وقهره، فالزنزانة المنفردة التي تضيق بالسجين وتحجب عنه نور الشمس تتحول بالتقادم إلى سهل فسيح بقوة الأمل والحلم، يرسم السجين فيها بالطباشير عالمه المأمول ويتمرد على قيود السجن ويقهر رعونة السجان.

صور مأساوية من مخيم الزعتري تخيم على القصص، تعكس أسى الشخصيات التي تعاني آلام النزوح، فالطفلة تلوذ بصدر جدتها، والابن بحلم أبيه، وتبقى الخيمة في الزعتري صامدة بوجه العاصفة

في ورقته الأولى "الإحصاء"، يختصر القاص مصيبة فقد كثير من الأسر غالبية أفرادها، فما أن يعلن المذيع الانتصار وتوقف الأعمال الحربية في بلاد كانت تعج بالحياة، حتى ينصرف الحاج عبد الله إلى إحصاء ما تبقى من أفراد أسرته، حيث هناك مَن قضى تحت التعذيب ومن قتل في المعارك، في الوقت الذي يحاول فيه لملمة شتاته والتكفل بحفيده المجنون الذي صار ضحية حرب مدمرة.

وفي قصته "المهرّب"، يقلب القاص صورة المهرب القارة في الأذهان، فالمهرّب الذي يشتهر بتهريب ما هو ممنوع يهرّب قليلا من تراب بلده، يخفيه تحت أظافره، ويقول لضابط الحدود بنوع من التحدي والمواجهة "إن أردتَ مصادرته عليك أن تقتلع أظافري كما فعلوا هنالك في المعتقل".

صور مأساوية من مخيم الزعتري تخيم على القصص، تعكس أسى الشخصيات التي تعاني آلام النزوح، فالطفلة تلوذ بصدر جدتها، والابن بحلم أبيه، وتبقى الخيمة في الزعتري صامدة بوجه العاصفة. صور أخرى من رحلات الهجرة والهروب إلى المجهول، إذ يتحدث في "رقصة الموت" عن أولئك الهاربين بأرواحهم من جحيم الوقت، فيحملون تاريخا مفصلا لحيواتهم، يركضون نحو البعيد منتشين بالخيبة، وعيونهم مقاصل لأحلام لم تكتمل.

"لامبيدوزا" الجزيرة الإيطالية الصغيرة، التي تحولت إلى محطة رئيسية للاجئين الهاربين من جحيم الحرب بحثا عن ملاذ آمن في فردوس أوروبا المفترض، تكون مسرحا لأحداث قصة بالعنوان نفسه، تشارك رئيسة بلديتها في تأبين الضحايا من المهاجرين المبحرين في عرض البحر، تراها تتلو صلواتها مع رجل الدين، وتكرر "يهربون من الحرب بحثا عن الحرية فيجدون الموت". وتكون المفارقة المتمثلة في أن إيطاليا تعلن الحداد، بينما تلفزيون دمشق يبث مسرحيات هزلية مكررة!

رموز وأساطير
تحضر إشارات ورموز من أساطير شرقية بدورها في بعض قصص المجموعة كقصة "كاوى"، إذ يستعيد فيها عباس أسطورة الملك الذي استطالت شروره وحلت عليه اللعنة، فطوقت عنقه الثعابين، ولم تكن آلامه تهدأ إلا باعتصار حياة بشرية قربانا.

يقول "كاوى الحداد الكردي يخلص العالم منه". ويضيف: "بلادي تمطر أساطير، ففي مقابل كل حفنة رمل حكاية، وتحت جذع كل شجرة قصة مدفونة، أبطالها أنا وأنت في نسختنا الألف أو الخمسة آلاف، لا فرق".

القاص يؤكد أن الرواية حياة، وأن نفس شخوصها طويل، فهم يعيشون عمرا مديدا، وأن ذلك لم يعد متاحا في الحرب، ويحرص على أن يختم مجموعته بجملة "إنها حرب قذرة"، في تأكيد منه على لعنة الحرب وجحيمها

ويقارب صاحب رواية "بيلان" محطات من الشرق والغرب، متنقلا بين لندن ومانشستر وأسكتلندا وبلغراد وباريس وعنتاب وهولندا وأوكرانيا، يعود إلى مدينته الرقة، ومنها إلى حلب، ثم يرتحل إلى الرياض، ويبقي أبطاله في تطواف هنا وهناك، يعكس صورا من الشرق في الغرب، وأخرى من الغرب متأثرة بالشرق، وذلك في سياق رسم لوحة مفترضة من التكامل والمحبة، ومن التأثر والتأثير.

في قصة "حريق"، يجد القاص أن المعتقل يعيد ترتيب حياة السجين ليكتشف ذلك التنظيم الدقيق، يضحك فيما بقي له من قلب، يركض إليه الحراس، تجلد سياطهم ظهره العاري. يقول "ربما اكتشفوا رائحة الحريق في ذاكرتك".

ثم ينتقل إلى سجن أكبر في قصته "ثقوب سوداء"، إذ يجهد البروفيسور عمران في شرح الثقب الأسود في المجرات البعيدة، وكان قلبه يحصي ثقوبه السود. لا يقبل نصيحة صديقته الأوروبية بهجرة الشرق وخرافاته وأساطيره، يشرح لها قائلا إن في الشرق مجالا حيويا من يقع فيه يظل يدور كالقمر الاصطناعي طوال حياته في مدار لا يتغير.

وفي قصته "جبان"، يستنطق القاص الرعب الذي يسكن الشخص، ويفسح له المجال ليصرخ بصوت مدو بأن الشجاعة والشعر والغربة والفساد والأشجار المقطوعة الجذور بقايا مفردات تلتصق بجدار الذاكرة، تشبه العلق إذ يحاول منعها من امتصاص دمه، دون فائدة.

في قصة "في الحب والحرب"، يكتب أن "في الحرب تتقارب النهايات وتضيق الفجوة بين الرغبة والصمت، لذلك أخشى أن أموت من دون أن أخبرك بحلمي الليلة الفائتة". ويكون القناص ضيفا غير مرغوب به، يجتاح عوالم القصص، ويظل شبح القتل الذي يفتك بضحاياه من بعيد، ومن دون أية رأفة.

يلفت عباس إلى أن القصة القصيرة تناسب وطأة اللحظة الراهنة بما يعترك فيها من صراع وتناقض واقتتال وتحارب واستعداء. تراه يفسر المسألة في قصته "البحث عن حياة قصيرة"، ويدير حوارا بين الروائي وناشره الذي يسأله إن كان يحمل روايته الجديدة، معللا بأنه بدأ بكتابة القصص القصيرة جدا.

ويؤكد صاحب "بروق" أن الرواية حياة، وأن نفس شخوصها طويل، فهم يعيشون عمرا مديدا، وأن ذلك لم يعد متاحا في الحرب، ويحرص على أن يختم مجموعته بجملة "إنها حرب قذرة"، في تأكيد منه على لعنة الحرب وجحيمها.

المصدر : الجزيرة