ليس صحيحا أن السينما الجديدة في إيران بدأت كما يعتقد الكثيرون بعد الإطاحة بنظام الشاه ووصول الخميني وأتباعه إلى السلطة, بل بدأت حركة "الموجة الجديدة" في السينما الإيرانية تحديدا عام 1968.

أي في نفس الوقت مع ظهور "السينما الجديدة" في مصر، و"السينما البديلة" في سوريا، والتي تمثلت بالأفلام "الفنية" التي كان تتطلع إلى إرساء تقاليد جديدة في صنع الأفلام تميل إلى التعبير الفني، وتتجاوز فكرة الفيلم كوسيلة للتسلية.

وكانت تلك الحركات الجديدة في السينما متأثرة، في ذلك الوقت، بظهور حركات التجديد في السينما الأوروبية بالستينيات، وعلى رأسها الموجة الجديدة في السينما الفرنسية التي ظهرت نهاية الخمسينات.

في تلك الفترة، كان الأدب الفارسي قد بلغ ذروة تطوره وتأثيره وانتشاره، كما ازدهر الشعر والمسرح، وكان تأثير الأفلام الطليعية الأوروبية -التي كانت تعرض في إيران في زمن الشاه- قد ساهمت في انضاج جيل جديد من السينمائيين الإيرانيين، الذين استفادوا كثيرا من مدرسة الواقعية الجديدة بالسينما الإيطالية، واهتموا كثيرا بالمزج بين الشعري والسياسي والواقعي، وبين التسجيلي والروائي الدرامي.
 
وقد برزت خلال الفترة من أواخر الستينيات إلى أواخر السبعينيات قبل انفراد "حزب" الخميني بالسلطة، أسماء مهمة من السينمائيين الإيرانيين مثل داريوش مهرجوي، سوراب شهيد سالاس، مسعود كيميائي، بارفيز كيميائي، بهرام بيزاي، وناصر تكفاي، وغيرهم.

وكانت أفلامهم تمثل قطيعة كاملة مع السينما السائدة في إيران، أي سينما التسلية الهروبية، والمغامرات المثيرة، والهزليات التي عرفت جميعها باسم "السينما الفارسية".

كانت باكورة حركة الموجة الإيرانية الجديدة فيلم "البقرة" (1969) لداريوش مهرجوي، وهو من مواليد 1939، وقد تخرج من قسم السينما في جامعة كاليفورنيا عام 1964.

عرض هذا الفيلم  بعد ذلك في مهرجان فينيسيا السينمائي، وأثار اهتماما كبيرا بأسلوبه المتميز والفريد في نطاق السينما القادمة من إيران.

فيلم البقرة باكورة حركة الموجة الإيرانية الجديدة عام 1969 (الجزيرة نت)

وكان الفيلم متأثرا كثيرا بتقاليد الواقعية الإيطالية الجديدة، بطابعه التسجيلي الذي يرصد تفاصيل الحياة اليومية في قرية إيرانية تعاني من التخلف والفقر وسيطرة الخرافات والشعور بالخطر من سكان قرية أخرى مجاورة، حيث لا يفتأ يظهر ثلاثة رجال يقفون في صمت أعلى ربوة جبلية مرتفعة، يحدقون من بعيد، يرتدون ملابس موحدة، لا نرى وجوههم في لقطات قريبة قط، وهم ينتوون شرا بهذه القرية المسالمة التي أصبح محور الحياة فيها يدور حول "بقرة حسن".

بقرة حسن
حسن قروي فقير يمتلك بقرة وحيدة هي التي بقيت بعد أن نفقت كل أبقار القرية، وهي أيضا حامل، أي أن جميع سكان القرية يعتمدون عليها في الحصول على الحليب، كما ينتظرون أن يصبح مولودها إيذانا بعودة الخير إلى القرية من جديد.

حسن يعشق بقرته ويدللها ويعتني بها كما يهتم المرء بطفله الوحيد، وهو يمزح معها أيضا، ويتحدث إليها، ويقلدها في الضحك والعبوس، ويشاركها قضم الحشائش التي تأكلها، ويصحبها إلى السباحة والاستحمام في مياه النهر، ويراقبها في لقطات طويلة متعددة من زوايا مختلفة وهي تتناول طعامها، يكاد يطير من السعادة.
وذات يوم يغيب حسن في عمل ما في المدينة البعيدة، وأثناء غيابه تعثر زوجته على البقرة ميتة وقد سال الدم من فمها فملأ الحظيرة.

من الذي عساه يكون قد قتل البقرة؟ وما الذي حدث بالضبط؟ هل هم "البولوريون" أي الأعداء من سكان القرية الأخرى المجاورة؟ هل ماتت البقرة قضاء وقدرا؟ لا أحد يملك إجابة واضحة عن هذا السؤال.

لكن الجميع يخشون أن يُصدم حسن بالنبأ فيتفقون على إخفاء الأمر عنه، ويقومون بدفن البقرة في البئر القديمة، ويعتقلون شابا يعاني من التخلف الذهني، ويقيدون حركته حتى لا يبوح بالسر، ويتفقون على أن يخبروا حسن أن بقرته هربت من القرية.

وعندما يعود حسن، يراقبه الجميع من بعيد، من داخل البيوت، ومن وراء الستر، ومن الكوات الصغيرة أعلى المنازل البدائية المشيدة من الطين، يتفاداه الرجال، وتشيح عنه النساء خشية أن يفلت من أحدهن أي إشارة تكشف السر.

وعندما يعلمونه بهروب البقرة يرفض حسن تصديق الأمر، ويصر على أن بقرته لا يمكن أن تهرب أبدا, إنه مؤمن بها وبولائها إيمانا عميقا.

التحول
يحتجب حسن، ويقيم داخل الحظيرة، يتصرف مثل البقرة، يمضغ القش مثلها في فمه، يتقمصها تماما، ويردد لأصدقائه الذين يتطلعون في ذهول إلى ما بلغه من تدهور بسبب امتناعه عن الطعام والشراب، إن البقرة لم تهرب بل هي موجودة وأنه هو بقرة حسن، وأن حسن نفسه هناك فوق السطح، يراقب حتى لا يهجم البلوريون بغتة ليسرقوا البقرة.

فيلم البقرة استخدم التصوير البديع بالأبيض والأسود (الجزيرة نت)

وعندما تفشل كل محاولاتهم لإقناع حسن بالكف عن هذا الهذيان، يقررون نقله إلى مستشفى المدينة، فيقيدونه كما لو كان حيوانا، ويجرونه بالقوة وهو يقاوم، ثم ينهال عليه أخلص أصدقائه ضربا بالسوط، ويسوقه تماما كما تساق الأبقار، وحينما يصل الغضب بحسن إلى ذروته، يحرر نفسه بقوة من القيود، وينطلق ليسقط من فوق الجبل ويلقى مصيره.

يموت حسن، ويظل اللغز قائما هل البقرة حقيقية، أم مجاز، وما معنى أن تفقد القرية البقرة الوحيدة الحلوب التي تجود عليهم بالخير؟ لقد فشلت عجائز القرية في إنقاذ حسن من حالته عن طريق التعاويذ، ولكن القرية رغم اجتماع أهلها على ضرورة عمل شيء من أجل إنقاذ حسن، إلا أنهم تعاملوا مع الموقف بنوع من السلبية فأخذوا أيضا يتخبطون يمينا ويسارا، بل بدوا في وقت ما وكأنهم يصدقون أن حسن لم يعد هو نفسه بل أصبح بالفعل "بقرة حسن".

ورغم المأساة التي وقعت أمام عيونهم، ما زال أهل القرية قادرين على الاحتفال بعروس جديدة تقوم النساء بتزيينها وإعدادها لليلة العرس.

التلازم بين الرجل والبقرة
وجود "حسن" مرتبط بوجود البقرة، وعندما تغيب البقرة، يحل حسن في بقرته الغائبة، ويصبح هو البقرة، يتلبسه سلوكها وشخصيتها، رافضا أن يواجه الحقيقة فالبقرة رمز الحياة والاستمرارية عن طريق الإنجاب، وإذا أقر بموتها فإنه يقر بموته أيضا.

هنا نرى أسلوبا سينمائيا مميزا كثيرا في استخدام التصوير البديع بالأبيض والأسود، في استخدام الظلال، واستخراج كل إمكانيات المكان، التصوير المباشر في المواقع الطبيعية، الاعتماد على أهل القرية من غير الممثلين، بعد خلطهم بالممثلين المحترفين، وإدارة التصوير بحيث تصبح الطبيعة الصامتة وكأنها شاهد على ما يحدث، خاصة مع استخدام الزوايا المرتفعة.

ولقطات "الكلوز أب" القريبة للوجوه، وتصوير تلك العلاقة البديعة بين الإنسان والحيوان، مع بعض الإضافات التي ترتبط بفكرة الأسطورة الراسخة في الأدب الفارسي، وتحميل الموضوع أيضا أبعادا ميتافيزيقية رمزية.

ولاشك أن من أكثر عوامل نجاح الفيلم وتميزه، ذلك الأداء التمثيلي الرفيع من جانب الممثل عزت الله انتظامي في دور حسن، وهو الممثل الذي سيصبح قاسما مشتركا في كثير من أفلام مهرجوي التالية، قبل أن يغادر إيران بعد وصول الخميني إلى السلطة، ليقضي سنوات في باريس قبل عودته للعمل في نطاق السينما الإيرانية، تحت القيود الرقابية الجديدة المشددة.

والطريف أن فيلمه هذا واجه اعتراضات رسمية كثيرة في زمن الشاه، بعد أن اتهم بتقديم صورة سلبية عن الحياة في الريف. وقد شاهده الخميني بعد ذلك وأبدى إعجابه به، ربما لاعتقاده بأنه كان يوجه نقدا شديدا لنظام الشاه في إهماله الريف، كما أنه غالبا، كان يرى أن البقرة هي رمز لحالة إيران نفسها في زمن الشاه، وهو تفسير آخر للفيلم.

صحيح أن نظام الخميني حافظ على استمرارية السينما في إيران في ظل قيود رقابية مشددة جديدة بدعوى الالتزام بالشريعة، لكن موجة أخرى من الأفلام النقدية التي تستخدم الرمز والإشارة ستظهر، وسيواجه الكثير من المخرجين العنت والاضطهاد، ويفضلون العمل خارج البلاد، أو الصمت في الداخل.

هذه الموجة الثانية هي ما يعرف بـ "السينما الإيرانية الجديدة" ومن أعلامها محسن مخمالباف وسميرة مخمالباف وأمير ناديري وبهمن قوبادي، وجميعهم غادر إيران، ثم عباس كياروستامي وأصغر فرهادي وجعفر بناهي ومحمد رسولوف، وهم يخرجون أفلامهم في الخارج، أو بشكل سري في الداخل.. حتى إشعار آخر!

المصدر : الجزيرة