توفيق عابد-عمّان

تمثل المجموعة القصصية "تقاسيم الفلسطيني" للكاتبة سناء شعلان تغريبة جديدة بطلها الحلم والمعاناة وتعد بمثابة وثيقة تاريخية وسياسية تبرز النضال الفلسطيني بأشكاله لاستعادة الحقوق المسلوبة.

وتعطي المجموعة مساحات واسعة لكفاح المرأة سواء في إرضاع أطفالها عشق الوطن وإعدادهم للثأر للآباء الذين سبقوهم للشهادة "من شرب حليب النساء الفلسطينيات رضع الشجاعة منهن جميعا وحمل مدفعا ليصيد بغاث الطير من الجيش الإسرائيلي".

وتبشر المجموعة التي تضم 174 قصة تحت سبعة عناوين رئيسة هي "تقاسيم الوطن"، و"المعتقل"، و"المخيم"، و"الشتات"، و"العرب"، و"العدو"، و"تقاسيم البعث" بانتصار قضيتها وتختزل حدثا معينا على ساحة الوطن والشتات في لوحة أدبية بأسلوب جمع بين التشويق وطراوة اللغة.

وتعكس القصصية الصدر عن دار أمواج الأردنية للنشر انحياز الكاتبة لانتمائها الفلسطيني وتفريغ الكثير من الأقاويل والدعاية الصهيونية والغربية، خاصة الروائي الأوروبي توين الذي زار فلسطين في الأربعينيات، وكتب أنه مشى أربعين كيلومترا ولم يشاهد فلسطينيا في معرض ترويجه لمقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

وترصد المجموعة -وهي الـ14 للكاتبة- ردودا فلسطينية على التهجير، فالجد يقول" أنا لا أخرج من وطني أبدا.. أموت فيه ولا أخرج" لترد الجدة "أنا أموت مع جدكم حيث يموت ولا أفارقه أبدا" والأحفاد يضحكون ويطلبون منهما رواية قصة عشقهما وزواجهما.

تورد المجموعة حكايات من الواقع الفلسطيني في المقاومة والصمود، فهناك خنساء فلسطين التي قدمت لثرى الوطن سبعة من أبنائها شهداء

أحلام محرمة
وتحمل "تقاسيم الفلسطيني" إدانة للعالم الذي صفق طوعا أو كرها للقتلة الصهاينة، ففي قصة "اغتصاب" جاء أن الأحلام في فلسطين محرمة على أهلها بقرار صهيوني عرفي، وتحوي نغمات صوفية الفلسطينيين الذين لا يجيدون إلا أن يفلقوا باطن الأرض بفؤوسهم ليخرجوا منها إلى الوجود سر خلودها شجرا وأثمارا وريحا طيبة.

وتستبعد المجموعة القصصية التعايش بين محتل وأصحاب الأرض فتروي حكاية طفلة فلسطينية تتجرأ وتعبر الأسلاك الشائكة التي تفصل قريتها عن المستدمرة "المستعمرة"، تجري نحو الأرجوحة لكنها لا تصلها يتناوشها المستدمرون "المستوطنون" بالفؤوس والسكاكين والخناجر لأنها طفلة بريئة حلمت بأن تلهو بأرجوحة لطفلة يهودية حمراء البشرة.

وتحاكم المناهج المدرسية، خاصة التاريخ والجغرافيا، وتتساءل: كيف تتربع "إسرائيل" وسط خارطة فلسطين؟ وكيف تصبح من دول الجوار؟

وتورد حكايات من الواقع الفلسطيني في المقاومة والصمود، فهناك خنساء فلسطين التي قدمت لثرى الوطن سبعة من أبنائها شهداء وظلت تبحث عن الثامن التائه، لا لتحتضنه بل لتقدمه شهيدا ثامنا فقد نذرت كل ما أنجب بطنها لفلسطين، وتقول "أحفظ متى استشهد أبنائي، وأنتم عليكم أن تحفظوا متى ولد أبناؤكم".

سناء شعلان:
بكل فخر أنا منحازة لقضيتي الفلسطينية بشكل إبداعي وأكرس لها قلمي وشهرتي وحضوري العربي والعالمي

ولم تخل المجموعة من موقف واضح للكاتبة، فقد وصفت معبر رفح بأنه سجان لا يفتح أبوابه لثوب زفاف حزين، وتحدثت عن الغزيين الصامدين دون وجل، يعضون الجوع ويهزؤون من العطش، وشاطئ غزة الصافي مثل قلوب الشهداء.

كما تحدثت عن الطبيب السويدي الذي ترك حياته المترفة وحضر إلى غزة لمناطحة الموت، والأم التي سلمت ابنها الجاسوس، والانقسام الفلسطيني "لا تنظير ولا جدل سياسيا أو فكريا في القضية، سأحارب أولاد الحرام حتى يخرجوا من أرضنا".

انحياز للقضية
وفي حديثها للجزيرة نت قالت شعلان "بكل فخر أنا منحازة لقضيتي الفلسطينية بشكل إبداعي وأكرس لها قلمي وشهرتي وحضوري العربي والعالمي، ولن يكون قلمي مقدسا إلا إذا انبثق من رحم قضيتي الفلسطينية ولن أكون ذاتي إلا عندما أتحدث عن الإنسان الفلسطيني الذي يسكنني".

وصفت شعلان مجموعتها بأنها "استسلام لإملاءات الحالة الإبداعية وانتزاع صور من الواقع وإعادة إنتاجها"، وقالت إن صمود المرأة الفلسطينية جعلها تحضر بقوة بوصفها رمزا ومحركا وباعثا للنضال لأن "المرأة الفلسطينية وجه أمي الطاهرة، وكلما لاح وجهها لاحت في قلبي وجوه نساء فلسطين".

المصدر : الجزيرة