أحمد الأمين-نواكشوط

اختتمت أمس الاثنين بالعاصمة الموريتانية نواكشوط النسخة الثانية من مهرجان "ليالي المديح" حيث عاش السكان خلاله عدة أمسيات على إيقاع المديح النبوي، أحيتها فرق شعبية تضم مداحين قدموا أغاني جماعية مصحوبة بآلة الطبل وتنافسوا على نيل رضى الجمهور.

وجاءت الفرق المشاركة في المهرجان من مختلف مناطق موريتانيا، حاملة معها هذا الموروث الشعبي المفعم بالرمزية الدينية، والمشحون بمحبة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، مكرسة الخصوصيات التي تميز فن المديح الموريتاني.

ونظم المهرجان مركز "ترانيم شعبية" وقال مديره محمد علي ولد بلال إنهم يحاولون "نفض الغبار عن لون فني شعبي يشكل موروثا مهما، ومكونا أصيلا في الثقافة الموريتانية، يميزها عن غيرها".

  ولد بلال: المهرجان يهدف إلى الحفاظ على فن بات مهددا بالانقراض (الجزيرة)

غياب التدوين
وحول دوافع المبادرة لتنظيم المهرجان، أشار ولد بلال إلى "تشجيع فرق المديح، والحفاظ على فن بات مهددا بالانقراض، بسبب غياب التدوين، فهو لا يزال ثقافة شفاهية يتوارثها المداحون ويتناقلونها".

وأضاف أن مركز "ترانيم شعبية" يسعى كذلك إلى "دراسة المديح الشعبي الذي يحوز مكانة مهمة في الثقافة الموريتانية، وكذلك بعده الروحي والنفسي لدى شريحة الحراطين (وهم الأرقاء السابقون الذين كان وسيلتهم التي عرفوا من خلالها سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلموا من خلالها الكثير من أحكام دينهم، بفعل نصوصه التي يحفظونها أبا عن جد)".
 
وأوضح أن المديح "ارتبط في المخيال الشعبي الموريتاني بالسيرة النبوية، والغزوات والفتوحات الإسلامية، فوثقت نصوصه كل تفاصيل حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ مولده، وأرّخت للمحطات التي مرت بها الدعوة منذ البعثة".

وحول ما يتميز به فن المديح الشعبي الموريتاني، قال إنه "يؤدَّى بطريقة جماعية، دون التزام بأي مقامات غنائية، وفي غياب الآلات الموسيقية الوترية، واكتفاء بآلة الطبل التقليدية، كما أن نصوصه تتكون من ملاحم تسمى بالعامية "الكَرْزَة" تتحدث عن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وشمائله، وغزواته، وخصال صحابته".

المداح محمد صنب: أشعر بطمأنينة حين أبدأ المديح (الجزيرة)

تعددت الأدوار
وكما يجد المداحون فيه وسيلة للتعلم، فإنهم يرون فيه "تقربا إلى الله بالصلاة على رسوله عليه السلام، والتغني بشمائله، ومعرفة سيرته العطرة، والترضي على صحابته" وفقا لما يقول المداح محمد بلال ولد صنب للجزيرة نت.

ويضيف ولد صنب "حين أبدأ المديح أشعر بطمأنينة نفس ورغبة في الاستمرار، وأنسى أي أمر غير التعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ما يقربني إلى الله".

أما الباحث محمدو ولد احظانا فيقول "المديح تاريخيا كان فنا يمارسه الجميع في الحواضر الدينية، لكنه في المناطق الإنتاجية اقتصر على العمال والحرفيين، مما جعله ينحصر لاحقا في الفئات الأكثر هشاشة كشريحة الحراطين، الذين مثل لهم تعبيرا وجدانيا وسمرا ليليا، يلجؤون إليه من عناء ومشقة العمل".

ونبه ولد احظانا، في حديث للجزيرة نت، إلى أن المديح "لعب أدوارا أخرى في حياة الحرفيين عموما، حيث شكل وسيلة للتعليم الديني، وترسيخ القيم الإسلامية في أوساط هذه الفئات".

وخلص إلى القول إن "المديح أدب راق، له مكانة عالية في الثقافة الموريتانية، ويختلف عن الإنشاد الديني في الثقافة العربية المشرقية، إذ أن الأخير عبارة عن ابتهالات، بينما يكاد المديح الشعبي يشكل موسوعة للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي".

المصدر : الجزيرة