حاوره/ كمال الرياحي

يبرز التونسي عبد القادر اللطيفي الروائي والقاص بوجهه المسرحي صوتا يراهن على المسرح التاريخي والجاد ومسرح الفصحى بعد غياب رموزه التونسية والعربية أو تقاعدهم، من الحبيب بولعراس إلى عز الدين المدني، وبعد أن نعينا المسرح كجنس أدبي مكتوب مع توفيق الحكيم وسعد الله ونوس ومحمد الماغوط.

انشغل الكثير من الأدباء بالرواية وانشغل كثير من المسرحيين "بألوان مان شو" والتجريب المسرحي الذي يجعل العامية لغة مهيمنة ركحيا أو المسرح التجاري الرخيص، لكن رهان اللطيفي على مسرح الفصحى كمشروع أدبي تواصل.

نشر اللطيفي بعد عدد من الأعمال الأدبية مسرحية "ابن الأغلب" ليختطفها المسرح الوطني ويحولها المخرج منير العرقي إلى واحد من أضخم الأعمال المسرحية منذ سنتين تحت عنوان "الرهيب"، وها هو أخيرا يعمق هذا الخط بإصدار مسرحيته الجديدة "الدعي الحفصي". حول هذا العمل ورؤيته للمسرح ومستقبله، التقته الجزيرة نت فكان هذا الحوار:

 لاحظنا انشغالك بالتاريخ التونسي الإسلامي لمقاربته مسرحيا، هل هي قراءة في التاريخ أم قراءة في الواقع في ضوء التاريخ؟

- أولا، لا أعتقد أنني مشغول بالتاريخ التونسي تحديدا لأن المدونة التاريخية التي أشتغل عليها إنما هي مدونة تاريخ المغرب الإسلامي بما في ذلك بلاد الأندلس، ولكن يصادف أن جزءا من تاريخ هذا المغرب صُنع في أفريقيا. ومن هنا كان هذا الاهتمام بما يوحي ربّما للقارئ العادي أنه تاريخ البلاد التونسية لا غير.

من مسرحية الرهيب للمسرحي التونسي لعبد القادر اللطيفي  وإخراج منير  العرقي (الجزيرة)

أما قراءتي المسرحية فلا أعتقد أنها قراءة لوجه التاريخ فقط، ولو كان الأمر كذلك لكان مجرّد بحث في الماضي وانتهى الأمر، وأنا أعتقد أن التاريخ يختزن في أعماقه القوانين الكلية المسيّرة لحياتنا في الحاضر، ومن هنا كان اهتمامي به.

يتطلب الاهتمام بالتاريخ والشخصيات المرجعية بحثا مضنيا ينتج عنه تراكم من الأحداث والوقائع، كيف ينجو اللطيفي من ثقل الوثيقة لتعطي للتخييل ما يجعل من العمل المسرحي عملا تخييليا؟

- في الواقع، هنا مربط الفرس في العمل الفني. ومبدئيا أنا أدخل إلى العمل المسرحي بنيّة الحفاظ أكثر ما يمكن على الحقيقة التاريخية، لأن من بين أهدافي معرفة كنه الواقعة التاريخية كي لا أخرج بتهويمات محرفة جراء تلاعبي الشخصي بهذه الوقائع.

ولكني سرعان ما أجد نفسي منساقا -ومن بنية النص خاصة- إلى نوع من المعالجة الّتي تعمل فيها الزيادة غير المؤذية أو التخلص من أحداث لا تخدم الغرض الفني أو التغاضي عن شخصيات تكرّر أخرى مثلا. وهكذا لا يبقى لي إلا ما يجب أن يقوم عليه النص المسرحي بقواعده الثابتة والأصيلة.

تمثل سِير الحكام مرتكزا رئيسيا في تجربتك في مسرحية إبراهيم بن الأغلب "الرهيب" والدّعي الحفصي، هل هناك من مشترك بينها غير الدموية والظلم؟

- نقاط الاشتراك عديدة، أيْ نعم اشتركا في الدموية أي التسلط، والظلم أي الحكم، ولكن الأهم عندي أنّهما اشتركا في حكم بلاد واحدة أنتجت عبر تباعد الزمن واختلاف العصور نماذج متشابهة.

لعبة الحكم تكون أحيانا حالة من العبث فتوصل إلى العرش أناسا من الأدعياء كما حدثنا الدّعي الحفصي، واليوم نرى أدعياء يعلنون أنفسهم خلفاء وحكاما، هل هذا العبث تقليد عربي يعكس هشاشة الوعي السياسي عندنا؟

- في المطلق، لا أعتقد أنه تقليد عربي خاص بنا، فلعبة الحكم في الشرق وفي الغرب ومنذ الأزل كانت تعتمد على الدسائس والمكر والخديعة والحرب وما إليه. لكن إذا كنت تتحدّث عمّا يحدث في عالمنا العربي اليوم من قيام دول مشبوهة وحكّام يعتقدون أنّهم يبعثون التاريخ المجيد ويكرّرون نسخة نقيّة ليوتوبيا ثيولوجيّة قد عفّى عليها الزمن، فهذا صحيح.

لست متشائما في ما يتعلق بمستقبل المسرح تماما مثل الرواية، لأن القارئ مهما قلّ فإنه ذكي ولا يخطىء الاعمال الأدبية الجيدة إذا وجدت

وبطبيعة الحال هذا شكل من أشكال السقوط السياسي والهشاشة، لكن علينا أن نكون حذرين جدا، فإن الأحلام والأوهام حتى لو كانت متهاوية وعبثية وغير معقولة، بإمكانها أن تتحول إلى واقع كابوسيّ. وكثير من الدول قديما قامت في غفلة من الآخرين ثم سرعان ما تحوّلت إلى واقع.

عد إلى تاريخ المغرب الإسلامي لترى أن الدولة المرابطية قامت في أقصى بلاد المغرب في رباط بسيط على أطراف الأطلسي لم ينتبه إليه أحد في البداية، والدولة الموحّدية قامت على أنقاضها، غير أن تلكما الدولتين قامتا في سياق إقليمي وعالمي مختلف، وكان من بين غايات أصحابها توحيد صفّ الأمة. أما اليوم فإننا نشهد تمزيقا لجسد هذه الأمة.

المسرح التاريخي الجاد، هل من مستقبل له اليوم في ظل انتشار ثقافة "الكيتش" والوان مان شو؟

- ما دام جادا بالتأكيد لن يكون دون مستقبل، لأن الأعمال الفنية الجادة والصادقة التي يتوفر فيها شرط لا بأس به من الفنية، لا يمكن أن تموت ببساطة. وبعد أن ينقشع ركام السّنين عن "الكيتش" و"الوان مان شو" سنكتشف أن النص المسرحي الأصيل صامد لا يندثر. وتراجيديّات اليونان التي تصور مصائر الدول والملوك وسقوط الإمبراطوريات شاهد على ذلك، ومسرحيات شكسبير التاريخية ما تزال صرحا خالدا لا يموت.

تكتب مسرحياتك وتنشرها قبل أن تحول الى أعمال على الخشبة. هل ما زال هناك قارئ للمسرح كما كان لتوفيق الحكيم وعز الدين المدني وسعد الله ونّوس والحبيب بولعراس؟

- طبعا، ولو لم أكن أعتقد ذلك لما نشرتُ هذه النصوص.. ونحن أحيانا نسيء الظن كثيرا بالقارئ، إلا أن هذا القارئ حسب رأيي يعرف ماذا يختار. وحاسّة الشم التي يمتلكها لا تخطئ والنّصوص المسرحيّة لا تختلف عن النّصوص الروائية ودواوين الشعر التي تمتلئ بها رفوف المكتبات.

كيف يمكن للمسرح الناطق بالفصحى أن ينتزع مكانته من جديد ضمن هذا التدفق الكبير للعامية على الخشبة؟

غلاف مسرحية "الدعي الحفصي" لعبد القادر اللطيفي (الجزيرة)

- هذا سؤال وجيه، وقد تكون الإجابة عنه معقدة لأنه يتعلق بمستقبل اللغة العربية عامّة، وهذا ليس مجالنا الآن، ولكن إذا قُيض للنص المسرحي كاتب عبقري فإنه بالإمكان أن نظفر بنصوص "فصيحة" تعيش لألف عام، أما إذا هجر الكتاب هذه اللغة بدعوى أن العامية هي السائدة فهنا تكون بداية الموت لأن الكاتب المسرحي لم يؤمن بقدرة اللغة على الإبلاغ. والأمر ذاته ينطبق على جنس الرواية.

ما الذي يمكن أن يقدمه المسرح اليوم في ظل هذا الراهن المتأزم أخلاقيا وسياسيا وأمنيا؟ هل يمكن أن يكون له دور والمسارح التاريخية تحطم هنا وهناك؟

- بإمكان المسرح أن يقدم أشياء كثيرة، فهو لم يتخل أبدا عن وظيفة التطهير اليونانية... وبإمكان العمل المسرحي الراقي أن يرتفع بالمشاهد إلى قمة النخوة والفخر والنشوة عندما يرى تاريخه وأبطاله العظام ويستمتع باتصال الماضي بالحاضر فيتجذر ويشعر بالثقة في النفس وأنه ينتمي إلى أمة عريقة.

كتبت الرواية "الامبراطورية" و"وأبارك السعادة" و"الرحلة الهنتاتية" التي توجت بجائزة الكومار، ثم اقتحمت بنجاح المسرح فهل تفكر في كتابة الدراما خاصة في ظل أزمة كتاب السيناريو بتونس؟

- كتابة الدراما لها شروط ، ومع ذلك المشكلة ليست هنا.. المشكلة عندي هي هل ثمة ما يرضي الغرور الإبداعي بحيث تجد من المنتجين والمخرجين والممثلين من يرتفع معك إلى مستوى الأعمال الكبرى والعظيمة؟ والمشكلة أن طاقة بلادنا على الإنتاج الضخم محدودة.

لا تبدو متشائما بمستقبل المسرح خلافا للمشتغلين به اليوم!

- لست متشائما في ما يتعلق بمستقبل المسرح تماما مثل الرواية، لأن القارئ مهما قل فإنه ذكي ولا يخطىء الأعمال الأدبية الجيدة إذا وجدت، والمستقبل بالتأكيد للجميل والممتع والرفيع والخالد.

المصدر : الجزيرة