الصحبي العلاني

لم تعط بلاد الإغريق للعالم حكمتها العريقة فقط، ولا أساطيرها القديمة وروائع تماثيلها ومنحوتاتها فحسب، بل وهبته أيضا ومنذ سبعين سنة موسيقارا اسمه ميكيس ثيودوراكيس جمع في شخصه وسيرته وفنّه ومواقفه خلاصة تاريخ اليونان الحديث، مع وفاء دائم للقضايا العادلة، ومناصرة غير مشروطة لحق الشعوب في أن تكون سيدة نفسها.

قد لا يعني اسم ميكيس ثيودوراكيس للكثيرين شيئا في عالم صارت فيه الثقافة معلبة محكومة بقواعد التوب/5 والتوب/10، ولكن يكفي أن ندخل فضاء الموسيقى الرحب من بوابة السينما، وأن نذكّر باللقطات الراقصة التي أداها الممثل أنطوني كوين (1915-2001) في شريط "زوربا اليوناني" (1964) حتى ينساب في آذاننا اللحن وتتضح في أذهاننا الصورة.

فتلك الموسيقى التي تبدأ هادئة فاترة بطيئة بمرتكزات إيقاعية متباعدة، ثم لا تلبث أن تتصاعد لتحتدم وتضطرم معها حركة الجسد في انطلاقته وعنفوانه، ليست إلا تجنيحة من تجنيحات إبداع شخص اسمه ميكيس ثيودوراكيس، كانت حياته أقرب إلى الأساطير الإغريقية بدراميتها وطابع المواجهة الدائمة فيها.

ولد ميكيس ثيودوراكيس في 29 يوليو/تموز سنة 1925 في جزيرة خيوس المطلة على بحر إيجة من أب ذي أصول كريتية وأم تعود جذورها إلى آسيا الوسطى.

وكان هوسه بالموسيقى جليا، بل فطريا، فقد وضع أول ألحانه وهو في الـ12 من عمره (1937). وبقدر ما كانت الرغبة في تعلّم أصول الأنغام وأحوالها وأوضاعها وأزمنتها جامحة لديه، كان مسار الأحداث التاريخية في اليونان يدفعه في اتجاه بعيد عن الموسيقى كل البعد، اتجاه النضال السياسي والاجتماعي، حتى إنه وجد نفسه في مواجهة كل أنواع الدكتاتوريات بدءاً بدكتاتورية الاستعمار الثلاثي الألماني الإيطالي البلغاري الذي تسلط على اليونان إبان الحرب العالمية الثانية (1941-1944)، انتهاء بدكتاتورية الجنرالات الانقلابيّين (1967-1974)، مرورا بمآسي الحرب الأهلية وفظاعاتها (1946-1949).

في كل هذه المحطات وقف ميكيس ثيودوراكيس وجها لوجه أمام الموت، بل خاض تجربته بكثير من العناد والإصرار على الحياة. ففي سنة 1942 أوقف وعذّب بتهمة المشاركة في المقاومة الشعبية للاستعمار، ثم أطلق سراحه. وفي سنة 1946، وإثر مشاركته في مظاهرة ضد القوى اليمينية التي افتكت السلطة رغم إرادة الشعب تم تعنيفه بشدة إلى درجة ظن فيها الجميع أنه فارق الحياة فتم إيداعه غرفة الأموات في المستشفى، ولكنه أفاق في المشرحة.

طيلة الفترات التي كان ثيودوراكيس يلجأ فيها للعمل السري متواريا عن الأنظار، كانت الأنغام والنوتات رفيقة دربه، وكان يتسلّل خفية إلى معهد الموسيقى بأثينا لتلقى دروسه

بين السر والعلن
وبعد هذه الحادثة بسنتين، وأثناء وجوده في أحد معتقلات التعذيب تمّ دفنه حيا مرتين، ولكنّه نجح في الانبعاث تماما كطائر الفينيق في الأسطورة. وكحل نهائي، أُجبرت قوى اليمين المتشدد على نفيه إلى فرنسا أواسط سنة 1970 ظنا منها أنها ستخمد صوته، ولكنه حلق بعيدا على أجنحة الموسيقى والنوتات.

في سياق حياة كرّسها صاحبها للانغماس في العمل السياسي، يحق لنا أن نتساءل: متى تعلّم ميكيس ثيودوراكيس الموسيقى؟ وكيف تسنى له أن يتقن أصولها وهو الذي قضى الجزء الأعظم من أيامه ولياليه بين المظاهرات والسجون والمعتقلات؟

قد تكون الموهبة جزءا من الإجابة، ولكنها وحدها لا تفسر كل شيء. واللافت للانتباه أن ثيودوراكيس قد اهتدى إلى الصيغة المثلى التي استطاع من خلالها التوفيق بين نوازعه الفنية والتزاماته السياسية والإيديولوجية. فطيلة الفترات التي كان يلجأ فيها إلى العمل السري متواريا عن الأنظار، كانت الأنغام والنوتات رفيقة دربه، وكان يتسلّل خفية إلى معهد الموسيقى بأثينا لتلقى دروسه، إلى أن توّج تكوينه الأكاديمي بالحصول على شهادة جامعية في التناغم (1950) قبل أن ينتقل إلى باريس ليتخصص في مجال فنون إدارة الأوركسترا وأصول التحليل الموسيقي (1954).

وهذا ما سمح له بتنويع إنتاجه الذي تراوح بين المعزوفات على البيانو وموسيقى الغرفة والسمفونيات والباليه، وهو إنتاج حظي باعتراف عالمي من خلال حصوله على الميدالية الذهبية في مهرجان موسكو للموسيقي (1957) ووضعه الموسيقى التصويرية لشريط "كمين الليل" للمخرجين البريطانيين مايكل باول وامريك بريسبرغر (1957).

ورغم أهمية هذا التتويج العالمي والقيمة الرمزية للانفتاح على الأعمال السينمائية الغربية، فإن المنعرج الحقيقي في مسيرة ميكيس ثيودوراكيس الإبداعية لن تبرز إلا في فترة الستينيات، وهي فترة من أهم ما يميزها عودته إلى الأصول الموسيقية اليونانية وتشبعه بالجذور العميقة للثقافة الشعبية.

وقد كان مدخله إلى ذلك اتصاله بالشاعر يانيس رتسوس (1909-1990) وتلحينه عددا من قصائده، بالإضافة إلى صياغته موسيقى الشريط الشهير "زوربا اليوناني" (1964) الذي يعد بحق علامة فارقة على ثقافة يونانية جديدة متحولة لأنه لم يتح -فقط- ظهور اسم الموسيقار ميكيس ثيودوراكيس، بل حمل معه إلى العالمية أسماء الأديب نيكوس كازنزاكيس والمخرج ميخائيل كاكويانيس والممثلة والمغنية إيرين باباس.

موجة التضامن العالمي مع ثيودوراكيس أجبرت السلطات اليونانية على الإفراج عنه  ونفيه إلى باريس حيث تعرف على رموز ثقافية وسياسية شهيرة ومؤثرة

اليونان والعالم
لم تكن السياسة على هامش حياة ميكيس ثيودوراكيس بل في صلبها تماما، ولم تكن الموسيقى بالنسبة إليه متعة أو ترفا أو إطرابا، بل روح شعب ورسالة حرية. وهذا ما أثبتته الأحداث بتراجيدية تذكرنا بأشهر مآسي الإغريق.

ففي مايو/أيار 1963 أفاقت اليونان على نبأ اغتيال أحد زعمائها الثوريين الطبيب غريغوريس لامبراكيس (1912-1963) في واقعة دوّنت في سجلات البوليس على أنها حادث سير عادي. وقد كانت هذه الحادثة سببا في عودة ميكيس ثيودوراكيس إلى السياسة مرّة أخرى من خلال تأسيسه حركة "الشبيبة الديمقراطية لامبراكيس" وهي حركة سرعان ما شهدت انخراط أكثر من خمسين ألف شخص، ونجحت في تأسيس نحو مئتي مركز ثقافي على امتداد أرجاء اليونان. والأهم من هذا وذاك أنها كانت سببا في إنتاج شريط سينمائي مستوحى من الحادثة بتمويل جزائري فرنسي يحمل عنوان (Z) أخرجه اليوناني كوستا غافراس وشارك في أداء أدوار البطولة فيه الممثل الفرنسي الشهير إيف مونتون واليونانية إيرين باباس.

ومن خلال هذا الشريط أثبت ميكيس ثيودوراكيس مرة أخرى أن الموسيقى التصويرية ليست زينة خارجية تضاف إلى الأشرطة السينمائية، بل هي روح الفيلم وجوهره الذي ينطق بما لا ينطق به الممثلون.

في تلك الفترة، أصبح ميكيس ثيودوراكيس مزعجا حقا، فتم اعتقاله ووضعه تحت الإقامة الجبرية، ولكن موجة التضامن العالمي معه أجبرت السلطات اليونانية على نفيه خارج البلاد، وليتها لم تفعل، فقد كانت إقامة ثيودوراكيس في منفاه الباريسي مناسبة للتشهير بالنظام القائم في بلاده، وفرصة أتاحت له التعرف على رموز ثقافية وسياسية شهيرة ومؤثرة، مثل الشاعر بابلو نيرودا والثائر سلفادور أليندي والرئيس جمال عبد الناصر والماريشال تيتو والقائد ياسر عرفات. وهذا ما جعل منه رمزا من رموز الحرية في العالم، وصوتا لمن لا صوت لهم، حتى إنه لم يتردد في الوقوف على المسارح مرتديا الكوفية الفلسطينية ومناصرا القضايا العربية.

سبعون شمعة في حياة سياسية زاخرة ومسيرة إبداعية جمعت بين تأليف الأغاني وتلحينها وصياغة الموسيقى التصويرية والحركية والأوبيرات والباليه والسمفونيات وشتى أنماط الألحان في عالم يزدحم بالنوتات ومعاني التحرر والثورة.

المصدر : الجزيرة