ياسين بودهان-الجزائر

انطلقت ليلة أمس في الجزائر فعاليات مهرجان تيمقاد الدولي، على وقع جدل بشأن قيمة الإنفاق الحكومي على المهرجانات الثقافية، في ظل توجه الحكومة لتبني سياسة تقشف، بسبب تراجع مداخيل البلاد، متأثرة بتراجع أسعار النفط عالميا.

وعلى مسرح "تاموقادي" بمدينة تيمقاد الأثرية بمدينة باتنة (425 كلم جنوب شرق الجزائر العاصمة) سيكون الجمهور الجزائري على موعد مع مجموعة من الفنانين الجزائريين والعرب يتقدمهم الجزائري الشاب خالد والتونسي صابر الرباعي، وبمشاركة عشرة دول من مختلف القارات.

ورغم أن القائمين على هذا المهرجان وغيره من المهرجانات الثقافية والفنية يؤكدون أن هذه التظاهرات تسعى إلى إبراز الموروث الثقافي والفني الزاخر للجزائر، فإن هذه التظاهرات التي يتجاوز عددها 170 في السنة وفق وزير الثقافة عز الدين ميهوبي لا تسلم من انتقادات، وتلاحقها الكثير من شبه الفساد، وتبذير المال العام.

وقد لاقت تظاهرة  قسنطينة عاصمة الثقافة العربية لعام 2015 قدرا كبيرا من هذه الانتقادات، بعد أن كشفت بعض الأوساط عن الميزانية الضخمة التي رصدت للتظاهرة والتي تجاوزت سقف مئة مليون دولار، وقبل ذلك وفي سنة 2011 بلغت تكلفة تظاهرة تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية 5.2 ملايين دولار.

جدارية تعبر عن تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية (الجزيرة)

إلهاء الشعب
وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، يتداول سكان قسنطينة صورا لمدينتهم وهي غارقة في القمامة والأوحال، ويقولون في تعليقاتهم إن الميزانية الضخمة التي رصدت للتظاهرة كانت كافية لإنقاذهم من الأوساخ والقمامة، لكنها أنفقت على مهرجانات لم يتجاوز صداها القاعات التي احتوتها.

بالمقابل، ينظر بعض السياسيين إلى هذه المهرجانات بعين الريبة والشك، ويعتبرون أن إقامة مهرجانات غير جادة يغلب عليها طابع "الكرنفالية والتهريج" أمر مقصود من طرف السلطة التي تحاول من وراء ذلك إلهاء الشعب عن مشاكله الحقيقية.

وفي السياق، يعتقد النائب البرلماني عن حزب جبهة العدالة والتنمية (إسلامي معارض) حسن عريبي أن الأنظمة الديكتاتورية تعتمد في سياستها على سياسة إلهاء الشعب، عن طريق إشاعة ثقافة الرقص وهز البطون، ويقول للجزيرة نت إن الحكومة تنفق بسخاء على هذا الأمر، بينما تنفق بشح على برامج الفكر والتعليم والثقافة الجادة.

وكشف عريبي أن الأموال التي تصرف على بعض المهرجانات الفنية التي يحييها فنانو الراي مثل خالد والزهوانية تعادل في قيمتها ميزانية بلدية من البلديات، وبين أن فناني الدرجة الأولى يتقاضون أجرا قد يصل إلى خمسمئة ألف دولار، وهو المبلغ الذي يكفي وفق تعبيره لتسديد أجر مئة نائب برلماني لمدة خمس سنوات كاملة.

هذا "التبديد للمال العام" -برأي عريبي- يدفع الجزائريون ثمن نتائجه السيئة على الواقع التنموي والاقتصادي، وكان على الحكومة أن "تنفق تلك الأموال على تطوير مناهج التعليم واستثمارها في قطاعات الصناعة والفلاحة وغيرها".

قارعلي: يجب ألا نخلق من ذلك مبررات وهمية من أجل تهميش الثقافة والمثقفين (الجزيرة)

مبررات وهمية
لكن الإنفاق غير المدروس للمال العام على قطاع الثقافة يراه آخرون مبررا غير كاف لتهميش الثقافة، وبرأي مقرر الثقافة السابق بالبرلمان إبراهيم قارعلي فإن المثقفين كثيرا ما يرون تبديد المال أو سوء التسيير المالي في الشأن الثقافي والفني فقط، وكثيرا ما يعمى الصحفيون عن قطاعات أخرى. وفي اعتقاده فإن ما يخصص للثقافة قد لا يصل إلى كيلومتر واحد من الطريق السيار.

لكنه قبل ذلك يقول للجزيرة نت "يجب أن نتفق حول مفهوم الثقافة، ذلك أن الكثير من النشاطات برأيه أصبحت تبرر الإنفاق المالي من غير أن تكون لمثل هذه النشاطات علاقة بالثقافة".

ويتابع قائلا "لكن يجب ألا نخلق من ذلك مبررات وهمية من أجل تهميش الثقافة والمثقفين والفعل الثقافي، ذلك أن الثقافة هي المقوم الحقيقي للدولة أو للأمة".

وبيّن أن التقشف مطلوب في كل القطاعات -برأيه- ولكن يجب ألا يكون هذا التقشف على حساب الثقافة، بل على القائمين على الشأن الثقافي، الذين يجب أن "يبتعدوا عن الجانب الكرنفالي للنشاط الثقافي ويعملوا على التأسيس للفعل الثقافي الذي يبقى أثره ويكون له دور أيضا في التنمية الاقتصادية، فالثقافة هي الأخرى لم تعد تختلف عن مختلف القطاعات الإنتاجية، فمتى تتحول الثقافة إلى منتوج لا يختلف عن المنتوج الصناعي؟".

وكان وزير الثقافة عز الدين ميهوبي أكد مؤخرا أن وزارته لا تتجه إلى تبني سياسة التقشف بسبب تراجع مداخيل البلاد بسبب تراجع أسعار النفط بالأسواق العالمية، إلا أنه أكد أن "الوزارة تتجه نحو ترشيد النفقات مع مراقبة ميزانية الوزارة وتسيير المهرجانات".

المصدر : الجزيرة