توفيق عابد-عمّان

يقترب "متاهة السرداب.. أو تحت الذبح" للشاعر غازي الذيبة من النص المفتوح منه إلى الرواية رغم أنه يشتمل على تقنيات روائية وتشكيلة تقع بين الشعر والسرد المتنوع بأشكاله المختلفة، مع استخدام تقنية الصورة والسينما.

والكتاب الذي يقع في 149 صفحة من القطع الصغير، الصادر عن دار ورد للنشر والتوزيع بالعاصمة عمّان، ينتمي لفصيلة الكتابة الجديدة التي يمكن قراءتها من أية صفحة، ويتحدث عن مخطوطي يجد مخطوطا تائها فيتيه معه في الأزمنة التي تتحدث عن واقع راهن وماضٍ بإسقاطات تجعل المتلقي يندغم داخل الشخصية الرئيسة ليصيرها.

كما أنه -أي الكتاب- تجريبي يحتاج إلى وقفة تأمل في انحيازه للفقراء والمضطهدين، لكنه يتفق مع رؤية كاتبه في أن الحلم والحياة عمادهما وصول أمتنا للقدرة على بناء الحدائق والجامعات الخالية من العنف والمؤسسات التي تمنح الجميع حقوقهم دون انحياز، وأن ينعم العربي بظلال المعرفة والحرية والحياة المشرقة بلا استبداد أو ظلم.

حضور البوعزيزي
ومن خلال نص مفتوح وأسلوب سهل مشوق، رأى الكاتب أن عمر سليمان يحتقن بآية سقوط الصنم، وبشار يتدرب على الهباء من جديد، والقذافي تتقاذفه حبوب الهلوسة، وأن علي عبد الله صالح منخور حتى من زوج ابنته، وقال للقرون "أنا صرخة صامتة في بكاء مدوٍ ولعنة تتهتك على أستار النهاية لتبدأ من جديد بصب فولاذها في جماجم مهشمة".

ويقول الذيبة إن أساس "متاهة السرداب.. أو تحت الذبح" قطعة شعرية لم يتمكن من إكمالها، اقترحت عليه أن تصبح نصا سرديا طويلا يقارب بين الشعر والسرد في حكايات متناثرة الأجزاء والأعضاء لتلتئم على حكاية العربي في الزمن الراهن.

وأهدى الكاتب مؤلفه لروح شهيد الحرية التونسي محمد البوعزيزي "امتنانا للنار التي التهمت الخوف فينا وأعادت الأمل بأن الثورات لا تتوقف رغم الاستبداد والتخلف الذي يشعل المنطقة ويخربها".

ويكشف الذيبة أن الكتابة تزامنت مع بداية الربيع العربي 2011 وكأنها تحمل في حروفها وهج ثورات الميادين، وانعتاق الإنسان العربي باتجاه الحرية والديمقراطية والعدالة.

البطل والحقيقة
وبقراءة متأنية، يتبين أن بطل الذيبة "مخطوط " يركض إلى الحقيقة، بينما مبدعون متنوعون يقفون بمحاذاتها ويتركونها تتلوى في كمدها، ومصممو المواقف والمؤامرات ينتهكون أرواحهم بالقفز عن أسوار مناطق واضحة من الحقيقة.. يقودون قطعان الزيف عبر مكبرات الصوت والصور إلى مداهماتهم المجلجلة إلى ما أسماه (الكاتب) تبديل الأكتاف والبنادق والمواقف في إدانة لكثير من المثقفين الذين تركوا الحقائق وراءهم ولهثوا وراء الأنظمة.

 الذيبة: نحن في سرداب كبير ومتاهة شاقة تنهشهما رطوبة الظلم والاستبداد (الجزيرة نت)

وجاء العنوان إشارة للمتاهة التي وقع فيها العرب خلال القرنين الأخيرين أثناء بحثهم عن خلاص حقيقي ينتشلهم ليشعلوا نهضة لم يتمكنوا حتى اليوم من تحقيقها "فنحن في سرداب كبير ومتاهة شاقة تنهشهما رطوبة الظلم وعفن الاستبداد وصدأ التخلف".

فالإنسان العربي وفق "متاهة السرداب.. أو تحت الذبح" يقف اليوم أمام النطع "فرشة السجان" في مواجهة الطغاة الذين لم يذكرهم صراحة وهم يشهرون سلاحهم لذبحه، وأن مشروع النهضة العربية ماضٍ بطريقه رغم شفرة السيف التي تريد أن تهبط على رقبته.

ويلمس القارئ وجود تحدٍ حقيقي للظلم والتخلف والتردي الذي عاشته أمتنا العربية، يقوده جيل جديد ينشد حرية لا تقصم ظهرها أوراق رسمية ولا غوايات التدقيق في الملامح على الحدود.

الكتابة مطلب
والكتاب محاولة للانسجام مع حالة التحدي، وربما يكون نقلا فنيا لإحداثياتها، كما يلمس من خلال تحليل مضمون النص دعوة لثورة فكرية وثقافية واجتماعية وسياسية "لنلحق بالأمم المتحضرة والأدب هو أول الطرق".

ويستحضر الكاتب حادثة مقتل محمد الدرة الذي مشى الشعراء بجنازته وكتبوا قصائد "رديئة" ويصف القتل بأنه أصبح موسيقى العالم، والحرية كاتم صوت. ويقول "لست متصوفا بل أقف على حافة الغضب".

ووفق الذيبة، فقد أضحت الكتابة عن اللحظة الراهنة مطلبا، وعدم الانتظار أو التوقف عن الانهمار فيها كأننا ننتظر "غودو".. نحتاج لأدب وفن جديدين يتحدثان وينسجمان مع الراهن التغييري العربي بكل تفاصيله معاندا، مخالفا بذلك روائيين يرون أن تجربة الربيع العربي لم تنضج بعد للكتابة حولها.

انحياز للمضطهدين
ورغم تعدد القضايا التي يثيرها الذيبة، وبالذات حال الربيع العربي والقمع والدكتاتورية وطغاتها والبلاهة الوطنية والشركات الأمنية العابرة للقارات، فإنه -كما يقول- ينحاز للإنسان المضطهد الباحث عن العدالة، وهنا يتذكر مقولة للشاعر يوسف عبد العزيز عندما قرأ أولى مخطوطاته الشعرية "سيستظل بحروفك الفقراء والمضطهدون إذا ما أخلصت لهم ولحقوقهم".

خلال تجواله في القضايا المثارة عثر الذيبة على أن العقل العربي يحتاج إلى ماكينات ضخمة لتنظيفه من الصدأ

وخلال تجواله في القضايا المثارة، عثر الذيبة على أن العقل العربي يحتاج لماكينات ضخمة لتنظيفه من الصدأ ورغبة جامحة لدى الأجيال الجديدة غير المؤدلجة بالحرية ونيل قسط من الحضارة يلبي أشواقها لحياة جديدة.

كما وجد أن العقل العربي يفتقد "المجموع" وأنهك بالمخترة والولاية والخلافة والمستبد العادل والمستبد الظالم، ولم يتسن له العيش لحظة جماعية كالتي عاشها إبان الثورة المحمدية الأولى على الجهل والتخلف والشرذمة في الجزيرة العربية.

ومن خلال نصه "متاهة السرداب.. أو تحت الذبح" فإن العقل العربي يعيش أسئلة صاخبة بحثا عن "الجماعة" في كينونتها التي ترفض "الأحادية" وتعيد للمجتمع الجمعية بمعناها.

ويقول الذيبة "أن تنحاز للفقراء والمضطهدين يعني أنك تنحاز للحقيقة، وهذه رسالة مباشرة للطغاة والمستبدين بأن هناك من يرفضهم، ومن هذا المنطلق وقفت إلى جانب الربيع العربي وما زلت أحلم بموجته الثانية التي ستعيد هندسة المنطقة في نطاق حضاري يمكّن العرب من اللحاق بركب الحضارة والتقدم، وعلينا الاستعداد لها بالكتابة والفعل". 

يذكر أن الذيبة أصدر أربعة دواوين شعرية هي "جمل منسية" و"دقيقة وأخرج حيا" و"حافة الموسيقى" و"مفاتن الغيب".

المصدر : الجزيرة