كمال الرياحي-تونس

يحب النمور وحلم بها منذ صغره حتى تساءل بحسرة "لماذا لم نُخلق كلنا نمورا ؟!!" لذلك كانت وثبته على ميراث الأدب الإنساني وثبة رشيقة وضارية كوثبة نمر جائع على فريسة انتهكت مجاله المحظور بغتة.

هضم الأساطير والتهم كافكا وألف ليلة وليلة. عرف بمتاهاته ومدائحه للعتمة ولم يفعل العمى الذي أصيب به إلا هالة جديدة لطفل بوينس آيرس، ذلك الطفل الذي سيبقى يطارد الأحلام طوال العمر ليرفع أصحاب السكاكين إلى أبطال ويجعل من الأساطير والأحلام والكوابيس غنيمة استثنائية لكتابة لا مثيل لها.

كاتب مارق هو دون أن يكتب في السياسة أو يمارسها، زاهد فيها حتى اتهم باللاوطنية واللاأرجنتينية لعدم اكتراثه بما يجري حوله وانشغاله التام بالكتب وبالأدب وعنايته بجماليات الكتابة مكرسا حياته للأدب كلعب حر ودسيسة يضعها للإطاحة بعالم الواقع الضيق في عوالم التخييل الفسيحة.

في كتاب بعنوان "مع بورخيس" صادر عن دار الساقي يتقصى صاحبه ألبرتو مانغويل بعض تفاصيل سيرة هذا النمر الأرجنتيني الضرير.

القارئ اللامبالي
يبدأ ألبرتو مانغويل كتابه بالحديث عن علاقته ببورخيس الذي عرفه في مكتبة "بيغماليون" التي كان الشاب، ذو الـ16 سنة، يشتغل فيها بائع كتب، وكان بورخيس يمر بها وهو في طريق عودته من عمله مديرا للمكتبة الوطنية.

بورخيس هضم الأساطير والتهم كافكا وألف ليلة وليلة. عُرف بمتاهاته ومدائحه للعتمة ولم يفعل العمى الذي أصيب به إلا هالة جديدة له

ودفعت صاحبة المكتبة مانغويل لقراءة الكثير مما يعرض في مكتبتها المهمة ومنها أعمال بورخيس. وتصادف يوما أن مر بورخيس بالمكتبة وعرض على مانغويل أن يأتي إليه كل مساء ليقرأ عليه، في مقابل، بعض المختارات بعد أن فقدت أمه دونيا ليونور (90 سنة) القدرة على القراءة وهي المرأة التي واجهت سؤال أحد الصحفيين "لماذا تتصرف كسكرتيرة لبورخيس؟" بقولها "اعتدت أن أكون يد زوجي، وأنا الآن يد ابني". هكذا إذن بدأت علاقة صاحب كتاب "تاريخ القراءة" بعجوز بوينس آيرس الأعمى ليكون عينه التي يقرأ بها، بصوت مرتفع، ما يختاره له.

لم ير مانغويل امتيازا كبيرا في البداية وهو يتقلد تلك المهمة الخطيرة حتى استغربت أمه من لامبالاته وطلبت منه أن يسجل في دفتر ما يعيشه مع ذلك الوحش الأدبي الذي اصطفاه لمثل تلك المهمة الاستثنائية. وشيئا فشيئا بدأ الفتى يعي بالحظ الذي وهبه تلك الهدية، أن يكون كاتم قراءات رجل الكتب الأول في العالم.

عالم بورخيس الحميم
يكشف مانغويل أن عاشق الكتب العظيم، الذي اعتقد أن الحقيقة تكمن في الكتب، لم تكن مكتبته الشخصية عظيمة بل مخيبة للآمال، "فالرجل الذي أسمى الكون مكتبة، واعترف بأنه تهيأ الفردوس على شكل مكتبة فإن حجم مكتبته الشخصية يبعث خيبة أمل، كان الزوار يتوقعون مكانا مكسوا بالكتب، برفوف تطفح حتى حافاتها، لكنهم  كانوا يجدون بدلا من ذلك شقة تحتل الكتب فيها الزوايا المهملة.

بل يكشف مانغويل أن صاحب المتاهات كان يحشر كتبه في حقائب مرمية هنا وهناك في غرف البيت البسيط، ذلك البيت الذي تساءل كاتب ألبيرو ماريو فارغاس يوسا، والذي قال الكاتب إنه كان يتردد منذ شبابه على النمر الأرجنتيني، لماذا لم يتركه إلى منزل أكثر فخامة واتساعا، فما كان من العجوز الأعمى الا أن وجه له إهانة أشد له ولشعبه، عندما أجابه "ربما كانت تلك هي الطريقة التي يتعاملون بها مع الأمور في ليما. لكننا هنا في بوينس آيرس لا نهوى التفاخر".

ويذهب مانغويل في وصف ذلك البيت القروسطي البسيط وتلك الحياة المتقشفة التي يحياها بورخيس مقارنة بعمق فكره وقراءاته وانشغاله بأدق التفاصيل في القواميس والموسوعات وحرصه على أن يكون عالمه كله كتبا وحديثا عن الكتب دون أن تتحول تلك الكتب إلى واجهة للتظاهر في عالمه الشخصي.

بورخيس لم يكن يملك نسخا من كتبه التي ألفها وأنه يوم تلقى من إيطاليا نسخة فخمة من قصته "المؤتمر" وطلب من ساعي البريد أن يصف له الكتاب واكتشف أنه كتاب فني ومبالغ في تزويقه، صرخ "لكن هذا ليس كتابا، إنه علبة شوكولا" وأهداه لساعي البريد الذي جاء به

ولعل أطرف ما ذكره المؤلف ان بورخيس لم يكن يملك نسخا من كتبه التي ألفها وأنه يوم تلقى من إيطاليا نسخة فخمة من قصته "المؤتمر" وطلب من ساعي البريد أن يصف له الكتاب واكتشف أنه كتاب فني ومبالغ في تزويقه صرخ "لكن هذا ليس كتابا، إنه علبة شوكولا" وأهداه لساعي البريد الذي جاء به.

ذاكرة الشرير
يرجع الكاتب تخلي بورخيس عن كتبه في مكتبته إلى ذاكرة الفيل التي يحملها، فقد ظل طيلة حياته قادرا على سرد وتصحيح ما قد يسمعه من مخاطبه مع أنه كان يتمنى أن ينسى، لكن ظلت تلك الأمنية ضربا من المستحيل.

ووصف بورخيس ذاكرته التراكمية في قصة "فونيس وكاتب المذكرات" بكومة قمامة "هذه القمامة هي التي أتاحت له"، يقول مانغويل، "أن يوحد الشعر مديد النسيان بنصوص أخرى أكثر حضورا في الذاكرة، وأن يستمتع بكتابات دون غيرها بسبب مفردة واحدة أو بسبب موسيقى اللغة. وبسبب ذاكرته المهولة، كانت الذاكرة كلها بالنسبة له هي إعادة قراءة".

وذاكرته لا تلين ولا تسقط منها حتى كلمات أغاني التانغو، قصائد رديئة لشعراء ماتوا منذ أزمنة قديمة، نتفا من حوارات وصور من كل أنواع الروايات والقصص، أحجيات وذوات السطر الوحيد، مسودات قصائد بالإنجليزية أو الألمانية أو الإسبانية وأيضا البرتغالية والإيطالية.

ويردد بورخيس دائما بأنه "يُعجب بالذاكرة الخلاقة التي تعيد إنتاج العمل الإبداعي بطريقة أخرى أو تستلهم منه وتتناص معه كما ذاكرة دي كوينسي مع الشعر الروسي أو ذاكرة أندرو لاين مع ألف ليلة وليلة".

ويشير مازحا أحيانا مذكرا بأصل ومرجعيات نصوصه "تلك الواقعة سرقتها من أجل خاتمة قصتي...".

الرواية البوليسية
لا أحد يمكن أن يتوقع أن النوع الأدبي المنبوذ من أغلب النقاد ويعتبره رهط كبير منهم بأنه أدب من درجة ثانية أن يلقى كل ذلك المديح من كاتب مكتبة وناهب للتراث الإنساني بورخيس، حيث يكشف مانغويل ولع بورخيس بالرواية البوليسية، بل انطلق ينظر للأدب الراقي بوصفه كله رواية بوليسية "لقد أحب بورخيس الرواية البوليسية" لأنه كان يجد في صياغتها البناءات الحكائية النموذجية "التي تفسح لكاتب القصة أن ينصب حدوده الخاصة به ويصب تركيزه على كفاءة المفردات والصور المركبة من مفردات".

هذا الطفل الذي شاهد عمى والده، الكاتب المتواضع، بعد أن فقد قبله أفراد من أسرته أبصارهم وتأكد من مصير العمى قرر أن يكون كاتبا وفي سن التاسعة ترجم "الأمير السعيد" لأوسكار وايلد

ولا يتردد بورخيس وهو يقرأ قصة شارلوك هولمز "عصبة الشعر الأحمر" في اعتبار "الرواية البوليسية أكثر قربا إلى النظرية الأرسطية في العمل الأدبي من أي جنس أدبي آخر".

ويصل ببورخيس حبه للرواية البوليسية إلى أن يرجع النص المرجعي للرواية الحديثة إلى "دونكيشوت" لسيرفانتس فيقول "تخيل قراءة دون كيشوت كما لو أنها رواية بوليسية في موضع ما من إقليم المانشا الذي لا أريد أن أتذكر اسمه...".

ويعتبر أن هذه البداية التي يتعمد فيها الكاتب إخفاء اسم القرية لعلامة على هذا النوع الأدبي القائم على طرح اللغز. ويتوقف في أكثر من موضع عند روح العمل البوليسي في نصوص فرانز كافكا وحتى في "الإلياذة والأوديسا" وهو يسمي قراءاته المخاتلة بالدسائس المرحة التي من شأنها أن تهدم المؤسسة النقدية الهشة.

احتقاره النظريات
وكان بورخيس يظهر احتقاره للنظريات النقدية من خلال سخرية لاذعة بوضعها كل مرة أمام مأزق القراءة المفكرة. يقول مانغويل "كان نافذ الصبر تجاه النظريات الأدبية التي تجاري الموضة، وكان يلقي باللوم تحديدا على الأدب الفرنسي لتركيزه ليس على الكتب بل على المذاهب".

يواصل الكتاب ملاحقة مخيلة هذا الأعمى الساخر والنمر الساحر الذي يثب الوثبة تلو الوثبة صانعا لنفسه رقصته الخاصة جدا لتربك كل الإيقاعات حتى إذا ما أدار بورخيس حلقات ثوبه في السماء كراقص صوفي، خفتت دفوف النقد والتأويل وانشغلت برقصة الأعمى محاولة فك متاهاته. "فهناك في ألوان الرقصة ترقد ذاكرة إنسان نهبها الراقص لنستمتع بها اليوم".

"مع بورخيس" كتاب ممتع، كما وصفه محمود درويش، "يزود القرّاء بمفتاح لكي يفتحوا أكثر من غرفة سرية في عوالم بورخيس السحرية" حاكه كاتب آخر، ألبرتو مانغويل، الذي "يمثل للقراءة، كما تصفه سكوتلند إنّو صاندي، ما يمثل كازانوفا للجنس".

"مع بورخيس" سيرة الطفل الذي بدأ الكتابة في سن السادسة، يقول إنها أولى غزواته ونهبه للإرث الإنساني، فوضع قصة "القبعة القاتلة" مقلدا ثرفانتس.

هذا الطفل الذي شاهد عمى والده، الكاتب المتواضع، بعد أن فقد قبله أفراد من أسرته أبصارهم وتأكد من مصير العمى قرر أن يكون كاتبا وفي سن التاسعة ترجم "الأمير السعيد" لأوسكار وايلد، واعتقد الناس أنها ترجمة أبيه لأنها نشرت باسم "خورخي بورخيس" وليس خورخي لويس بورخيس.

كتاب مانغويل يجعل القارئ يبحث عن المزيد من سيرة هذا النمر لعل سيرته الذاتية القصيرة التي أملاها على مترجمه "نورمان توماس دي جيوفاتي" أولى بالتوجه إليها بعد الخروج من هذا الكتاب.

المصدر : الجزيرة