ناصر يحيى-صنعاء

هذه تجربة شعرية طريفة ومثيرة أيضا.. أسلمت فيها القصائد المعلقات السبع الشهيرة في ديوان الشعر العربي في العصر الجاهلي، والتي بلغ من شهرتها وجمالها أن قيل إن العرب كتبتها بماء الذهب وعلقتها على الكعبة المشرفة، ولا يزال محبو الشعر العربي يجدون فيها الكثير من المتعة والإبداع.

والشاعر الذي أسلمت على يديه هذه المعلقات هو الأردني يوسف العظم أحد رواد الشعر الإسلامي الكبار في القرن الماضي.

سجل الشاعر يوسف العظم -المتوفى في 29 يوليو/تموز 2007- تجربته هذه في ديوان بعنوان: "لو أسلمت المعلقات... نظرات في المعلقات الجاهلية ومعارضتها بسبع إسلاميات".

وبين يدي الديوان كشف أن الدافع النفسي لخوضه هذه التجربة الشعرية كان خاطرا جال في ذهنه وهو يقرأ في دواوين الشعر الجاهلي عمّا كان يمكن أن يقوله أولئك الشعراء الأفذاذ ذوو المواهب المبدعة لو كانوا مسلمين؟

وقرر لذلك أن يقوم بالمهمة نيابة عنهم فيعارض أبرز قصائد ذلك الزمان المعروفة بالمعلقات السبع برؤية إسلامية وغاية إيمانية، داعيا النقاد إلى تقييم تجربته هذه وبيان ما لها وما عليها.

المعلقات تحتوي على مواضيع مثل الوقوف على الأطلال، وتذكر الأحباب وصور المطايا والليل والصحراء والوحوش والخمر والتفاخر بالقبيلة

قواسم مشتركة
كانت المعلقات كمثيلاتها من شعر العصر الجاهلي تحتوي على مواضيع متعددة معظمها تمثل قواسم مشتركة مثل الوقوف على الأطلال والآثار الدارسة، وتذكر الأحباب الراحلين.. وصور المطايا والليل والصحراء والوحوش والخمر والتفاخر بالقبيلة والقوم، بالإضافة إلى بعض الحكم.

ومع ذلك كان للقصيدة غالبا غرض أساسي أو بيت القصيد كما يقال، يخصها الشاعر بأبيات تطول أو تقصر.. وقد ركزت معارضة الشاعر العظم على الهدف الأساسي لكل قصيدة أو هذا ما حاولت أن تجعله ثمرة لهذه التجربة.. فأين أصاب الشاعر وأين أخفق في محاولته؟

يجدر القول ابتداء إن العظم كان يستشعر أنه يجازف مجازفة كبيرة وهو يعارض مرة واحدة سبعا من عيون الشعر العربي في كل تاريخه.

لكن حلم الداعية الفخور بدعوته جعله يقدم على ذلك وكأنه كان يعكس فيها حبه لهداية الناس قبل القصائد! ولذلك جاءت كل شقيقات المعلقات -كما أسماها- تعكس رؤيته الدعوية وأبرز القضايا الفكرية والإيمانية، ولمشاكل المسلمين والتحديات التي يواجهها الإسلام في هذا العصر، مع التزام بالوزن والقافية أكثر مما اتجهت إلى تقديم معارضة موضوعية برؤية إسلامية للهدف الأساسي أو بيت القصيد للمعلقات الجاهلية.

نجحت محاولة الشاعر في معارضة قصيدة زهير بن أبي سلمى التي مطلعها:

أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلم

بحومانة الدراج فالمتثلم

ودار لها بالرقمتين كأنها

مراجع وشم في نواشر معصم

ولأن الشاعر لم يجد مثالا مناسبا في عصرنا هذا يشابه موقف الحارث بن عوف وهرم بن سنان اللذين مدح إقدامهما على إصلاح ذات البين بين قبيلتي عبس وذيبان بعدما تفانتا في القتال، وتحمل تكاليف الصلح، لذلك تركزت المعارضة على الحكم والأقوال الحكيمة التي أبدعها زهير كخلاصة حياته التي بلغت يومها ثمانين حولا.. ومن هذه الشقيقة نقرأ:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فحدث بقلب صادق الحس ملهم

وخاطب عباد الله دون تكبر

برفق وإحسان وعزة مسلم

ولا تبتئس يوما لمال بذلته

إذا كان في ذات الإله المكرم

ومن ضيّع الأوطان يجني ندامة

ومن لا يصون الدين والعرض يندم

وُفق العظم في أن يقدم أنموذجا للفخر الإسلامي لا بالقبيلة والنسب والعصبية العمياء، ولكن فخرا بالهداية لدين الله، والتحلي بالتواضع

المعارضة الأجمل
أما النجاح الواضح في المعارضة فقد كان من نصيب قصيدة عمرو بن كلثوم التي مطلعها:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا

ولا تخفي خمور الأندرينا

وهي ربما قصيدة الفخر الأشهر في ديوان الشعر الجاهلي. وقد وفق العظم في أن يقدم أنموذجا للفخر الإسلامي لا بالقبيلة والنسب والعصبية العمياء، ولكن فخرا بالهداية لدين الله والاستقامة على سبيله والتحلي بالتواضع ونشر الهدى والعلوم ورفض جور الظالمين.

ومقابل التهديد والوعيد للخصم عند عمرو بن كلثوم دعا العظم خصومه إلى نبذ التعصب للباطل لعل الله يشرح صدورهم للصلاح والخير:

ألا هبي بربك نبهينا

فنور الفجر أوشك أن يبينا

لنسجد للمهيمن في خشوع

ونركع للذي فطر الجنينا

أخا الأوثان لا تعجل علينا

ولا تحمل لواء المارقينا

لعل الله يشرح منك صدرا

فتمضي في دروب الصالحينا

يفيض على الدنا علما ونورا

ونرفع للنُّهى حصنا حصينا

والقصيدة في غاية الجمال تجمع بين المعاني الإيمانية الرقيقة والمعاني القوية المعتزة بدينها بتواضع العبد الصالح.

كشفت هذه التجربة الشعرية عن طاقة شعرية عظيمة ظل الأستاذ العظم يتمتع بها حتى سنوات عمره الأخيرة رغم ثقل المرض عليه

نظرات انتقادية
بقية المعلقات (المسلمة) جاءت بعيدة عن الهدف المتوقع من المعارضة، فقد اهتمت كلها بالحديث عن حب الرسول صلى الله عليه وسلم، والفخر بالإسلام ومبادئه، وتاريخ المسلمين وإنجازاتهم المعروفة، مع حديث متكرر عن الواقع المؤسف للمسلمين اليوم وما فيه من مآس ومشاكل أضرت بالأمة والدين.

أما كيف يمكن للمعلقات "المسلمة" أن تنجح في تحقيق هدفها، فقد كان يمكن -على سبيل المثال- أن تكون معارضة معلقة امرئ القيس قصيدة في الغزل العفيف، والتشبيب الطاهر البعيد عن الفحش والخمور.

وأما قصيدة عنترة التي تعد أفضل المعلقات الجاهلية في الحث على مكارم الأخلاق والتفاخر بها، والابتعاد عن التفاخر بالنسب والانتماء القبلي، فكان يمكن التوسع في تلك المعاني العظيمة، وتذكير المسلمين بالانحرافات الحادثة في هذا المجال.

وقصيدة الحارث اليشكري التي كانت ردا هادئا رزينا على قصيدة عمرو بن كلثوم الموغلة في العصبية كان يمكن أن تكون حوارا مع الآخر الديني والحضاري المخاصم أو المعادي للمسلمين، ودعوة له للتفاهم على الخير والقواسم المشتركة لصالح البشرية جمعاء.

كشفت هذه التجربة الشعرية عن طاقة شعرية عظيمة ظل الأستاذ العظم يتمتع بها حتى سنوات عمره الأخيرة رغم ثقل المرض عليه، ولعله لو كان اقتصر على معارضة بعضها لكانت النتيجة أفضل بكثير.

المصدر : الجزيرة