أنطوان جوكي-باريس

"من صندوق الشاحنة إلى متن الباخرة كان المسافرون غير الشرعيين يتنقلون قبل أن يتيهوا في الليل الدامس.."، هذه الجملة وردت في رواية الكاتب التركي حقان غونداي الأخيرة، وهي تكثيف للعمل الذي صدر حديثا عن دار "غالاد" الباريسية تحت عنوان "المزيد".

ويقود غونداي قارئه -في عمله الأخير- إلى قلب عصابات تهريب المهاجرين لتصوير عنفها ومأساة من يلجأ إليها لبلوغ الضفة الغربية من حوض المتوسط.

بطل الرواية يدعى "غزا" في سن التاسعة، ويعيش على ضفاف بحر إيجة، غادر المدرسة ليعمل مع والده أحاد في تهريب المهاجرين غير النظاميين من تركيا إلى اليونان بمساعدة الأخوين هرمين ودردر، قبطاني الباخرتين.

ولسنوات سيستقبل غزا ووالده هذه "البضاعة" البشرية التي تتكاثر في فصل الصيف داخل مخزن مجهز لهذا الغرض، لكن في أحد الأيام ينسى غزا تشغيل المروحة لتهوية المخزن، فيتوفى شاب أفغاني يدعى كوما اختناقا.

ولأن كوما هو الشخص الوحيد الذي تعامل معه بإنسانية ولطف لن يتوقف غزا -منذ تلك الحادثة- عن التفكير به، كما سيحتفظ بالضفدعة الورقية التي صنعها هذا الشاب أمامه وأهداه إياها، علما أن ذلك لن يمنعه من تحويل المخزن إلى حقل مراقبة لـ"ديناميكيات التسلط" ومن أن يصبح جلادا للمسافرين غير الشرعيين الذين يشاء قدرهم أن يقعوا في يده، لكن في أحد المساءات ينقلب كل شيء رأسا على عقب ويصبح على غزا المكافحة للبقاء على قيد الحياة.

تكمن أهمية الرواية في تصويرها مأساة الهجرة غير النظامية من منظور الجلاد لا من منظور الضحية، وكشفها الأسباب التي تجعل طفلا لامعا في المدرسة يتحول إلى وحش كاسر ويفضل الاتجار بالبشر على متابعة دراسته

الأهمية
وليست "المزيد" الرواية الأولى التي تقارب هذه المأساة الراهنة، لكن أهميتها تكمن في تصويرها هذه المأساة من منظور الجلاد لا من منظور الضحية، وكشفها الأسباب التي تجعل طفلا لامعا في المدرسة يتحول إلى وحش كاسر ويفضل الاتجار بالبشر على متابعة دراسته.

وحين بدأ الطفل غزا بمساعدة أبيه في عمله خلال عطلة الصيف كان يجهل مخاطر هذا العمل وأسباب النظرة السلبية التي يلقيها المسافرون غير النظاميين على أفراد العصابات التي تتكفل بتهريبهم إلى أوروبا، أو حتى طبيعة هؤلاء المسافرين الذين لا يتألفون فقط من بؤساء يحلمون بفرص حياة أفضل من تلك التي توفرها أوطانهم لهم.

ولذلك سيتعرض للاغتصاب في سن العاشرة على يد واحد منهم، ويصدم في سن الـ14 من ردود فعل مجموعة منهم حين يحاول التقرب من فتاة جميلة ترافقهم، وحين ندرك أنه لم يختبر سوى القسوة في علاقته مع والده ومعاونيه نفهم نقمته على الطرفين معا وانزلاقه من موقع الضحية إلى موقع الجلاد.

وعلى هذه الأرضية يكشف غونداي كابوس المسافر غير النظامي خلال رحلته من "جحيم" بلده إلى "فردوس" البلد المنشود، رحلة يختبر فيها الذل والجوع والعطش، وغالبا ما يفقد إرادته فيتحول إلى عبد لهذه العصابات، ينفذ ما تطلبه منه كي توصله إلى "بر الأمان"، هذا حين لا تتخلص منه على اليابسة أو في عرض البحر.

وتبدو حبكة الرواية متينة، اعتمد غونداي فيها صيغة المتكلم التي تجعل القارئ يتآلف بشكل حميم مع الراوي غزا، والحوارات التي تتخللها من حين إلى آخر وتدور في ذهن بطلها بينه وبين الأفغاني كوما الذي يلعب فيها دور ضميره.

وتكمن قيمة هذا العمل خصوصا في طريقة معالجة غونداي لموضوعه، كذلك التأملات العميقة التي يصوغها في هذا السياق حين يقول "الأداة الأولى التي استخدمها الإنسان هي إنسان آخر، أتخيل أنه لم يتطلب الأمر وقتا طويلا لتثبيت سعر هذه الأداة والاتجار بها، وبالتالي تجارة البشر بدأت عند الفرصة الأولى".

استطرادات
وتسمح استطرادات الرواية الكثيرة بمقاربة مواضيع جانبية راهنة، مثل فساد المسؤولين السياسيين وتواطؤ رجال الشرطة مع شبكات الاتجار بالبشر، ووقوف حزب العمال الكردستاني خلف معظم هذه الشبكات، ووضع الأكراد في تركيا.

وكما في جميع رواياته السابقة لا ينسى غونداي فضح عنف عالمنا وسذاجة أبنائه الذين يتركون حكامهم يتحكمون في مصيرهم ويتلاعبون بحياتهم، كما لو أنهم بيادق على رقعة شطرنج.

باختصار، نص يتراوح في طبيعته بين التراجيديا والرواية البوليسية السيكولوجية، ونستشف فيه مرة أخرى مهارات غونداي السردية ونظرته التي تعري سلبيات عالمنا المعاصر بنبرة حادة تشارك في منح جميع رواياته وقعا قويا على قارئها.

المصدر : الجزيرة