هيثم حسين

يستعين الصيني سو تونغ في روايته "الفرار 1934" بطريقة تدوين اليوميات وسيلة لتدوين جراح أهله وبلده، وانتقالهم من مرحلة الاعتماد البدائي على الطبيعة والعمل الشاق في الحقول والزراعة، إلى الصناعة والعمل المهني والاحترافي، وكيف أن ذلك شكّل ثورة حقيقية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

ويحاول أثناء رصده لتلك التحولات تجاوز سنوات ما عرف في الصين بالثورة الثقافية البروليتارية العظمى، وهي الحركة الاجتماعية والسياسية العنيفة التي قادها ماوتسي بين عامي 1966 و1967.

يبدأ سو تونغ روايته (نشرتها دبي الثقافية بترجمة يارا المصري 2015) من الواقع الذي يضفي عليه شيئا من السريالية والغرابة، حين يصور حالته عندما كان واقفاً تحت ضوء أحد مصابيح الشوارع في المدينة يتأمل ظله، وأدرك أن هذا الأمر سيتحول إلى عادة تنمو وتستمر، وكانت مصابيح المدينة دائماً تطلق ضوءاً أبيض هادئاً بلون الثلج، ليكتشف أن ظلّه كان يتفشى بشكل صلف وعجيب على الرصيف الإسمنتي، كأعواد قصب وسط الرياح.. يرى أنه وسط ليل المدينة الحالك قد رسم صورة لهارب.

رعب فطري
يشير الراوي إلى منبت والده الريفي في قرية فينغ يانغ شو، والخرس الملازم له والذي اكتسبه منه، وهو خرس يبدو اختيارياً، يأتي ردًّا على العسف الذي لحقه حينذاك، وأورثه ابنه وأسرته.

يقول إنه كان صامتاً أيضاً، وإنه قد هجر منزله إلى المدينة حينما كان في التاسعة عشرة من عمره، وإنه عندما يعود بذاكرته إلى أيام طفولته الماضية، يكون أشبه بنمر صغير يتمدد أسفل إفريز منزل والده، وجسده كله يلمع بضياء أزرق، متأملا حجاب الضباب الذي كان يتكثف شيئاً فشيئاً ويطفو فوق عائلته يوماً بعد يوم، وأسفل هذا الحجاب عاش ثمانية أفراد هم مَن تبقوا من عائلته.

يبرز الروائي كيف أن نوعاً من الرعب الفطري تملّك بطله وجعله يمسك برأسه ويفرّ هارباً.. يؤكد أنه يشبه والده.. كان يقطع الطريق ركضاً ويعبر المدينة بليلها الشاحب، وظل والده في الخلف يزأر ويتتبعه.. يقول إن ذلك كان نوعاً من التتبع يتجاوز سكون الحالة.. ويؤكد أن الركض تلك المرة كان نوعاً من الفرار.

يبرز الروائي كيف أن نوعاً من الرعب الفطري تملّك بطله وجعله يمسك برأسه ويفرّ هارباً.. يؤكد أنه يشبه والده.. كان يقطع الطريق ركضاً ويعبر المدينة بليلها الشاحب، وظل والده في الخلف يزأر ويتتبعه

يدرك أن تلك التجربة تقوده إلى الذكريات، وتضعه في مواجهة مع ماضيه، وتاريخ أسرته وقريته وبلده، تجبره على الخوض في تلك المغامرة، وعدم التنصّل من المسؤولية، فيقلب فراره إلى ماضيه، يدوّن يومياته التي ينقّب عبرها في التاريخ، ويعود تحديداً إلى سنة 1934 التي شهدت انتشار وباء الكوليرا في منطقته، وأودى بكثير من البشر، وكيف أن الأوبئة التالية -الاجتماعية والسياسية- كانت أشدّ فتكاً من وباء الكوليرا بالناس.

يكرّر سو تونغ وصف سنة 1934 بالكارثية، يحكي على لسان أبيه الذي يستعيد سيرة أمّه وأسرته بدوره، وكيف فقد ستة من أهله في تلك السنة المفجعة، وظلّ يحمل ذكرياته عنهم كأعباء لا يريد التخفف منها، ولا يستطيع الفكاك منها أيضاً. تمثّل الجدّة عصب الحياة في رحلة الموت تلك، وتظل حكاياتها تضخ الأمل في روح ابنها، وحفيدها الذي يظل وفياً للأسرة وتاريخها.

يعود الراوي إلى أماكن قديمة مرّت بها أسرته، يبحث قرب سور المدينة القديم عن آثار دكان جده تشين جي للبامبو، ويظهر كيف اختفت من المدينة رائحة شرائح البامبو التي تملأ الجو.. يصف حالته وهو يحمل حقيبة قماشية ويقف تحت ظل سور المدينة، يسأل العجائز ذوي الوجوه الشاحبة عن جده.

تلصص واستعادة
يستعيد الروائي صورة صندوق عائلي عتيق، يعتقد أن الأثر يدلّ على الراحلين ويختزن قصصهم ومآسيهم وأسرارهم، يحاول بدوره أن ينقل بعض حكاياته إلى آخرين سيحلّون في بيته بعد أن ينتقل منه، تراه وهو صغير يسلّم كراسة الرسم الخاصة به إلى ساكن جديد لا يعرفه، ويؤكد أن رؤية الشيء بعد رحيل صاحبه تبعث ذكراه.

يمارس الراوي العجوز نوعاً من التلصّص على الماضي عبر الذاكرة، تراه يصف أنه بعد فتح البوابة الخلفية، يلوح في ذاكرته ركن شفّاف لامع، يستعيد صوره مع أخته في القرية قرب النهر، ويتذكر وقوفه في إحدى زوايا السلّم الخشبي ذاهلاً، مشيراً إلى أن الوقوف على السلم هو الوقوف على أعلى مرتبة في ذكريات طفولته.. كان يطل على عائلته، ونظراته تخترق الحائط الرمادي حتى تصل إلى غرفة والده وغرفة أخته الكبرى.

يلفت سو تونغ في عمله الانتباه إلى تشرّد بعض الأطفال وضياعهم، ووقوعهم بين أيدي مَن يستخدمهم في أعمال شاقة، ونتيجة ذلك الوخيمة على مستقبل البلاد، وتعاطي قسم من المسؤولين مع القضية وكأنها مزحة، أو قضية ثانوية لا تحتاج إلى أي متابعة أو تحقيق أو مساءلة.

يلفت سو تونغ في عمله الانتباه إلى تشرّد بعض الأطفال وضياعهم، ووقوعهم بين أيدي مَن يستخدمهم في أعمال شاقة، ونتيجة ذلك الوخيمة على مستقبل البلاد

يحقق ذلك عبر تصويره الطفل المشاكس وحالته حين أخبر المحقق بأنه بصدد كتابة يومياته، وأن كتابة المذكرات هي الواجب الصيفي الذي كلّف به المعلم تلاميذه، وأنه يستمتع بكتابة مذكراته. يختار سنة 1974 كعلامة تغيير فارقة في تاريخ بلاده، يقول بلسان الطفل البريء الملاحظ للتحولات الطارئة على عالمه المحيط به، إن الرياح الشرقية بدأت تهبّ بقوة، وبدأ العلم الأحمر يرفرف، وتشرق أنهار وطنه وجباله.

يختم الكاتب بمشهد ثوري، إذ يسعف الفتى عجوزاً ينزف جراء سقوط حجر على رأسه، لا يخشى المغامرة بإسعافه، تلوح في مخيلته جميع الشخصيات البطولية اللامعة في تاريخ بلاده، ويفكر أنها كانت تعمل من أجل حماية الناس وممتلكاتهم، ولم تكن تهاب شيئاً.

وبعد تفكيره يمتلئ قلبه بروح الثورة وبجميع العواطف السامية، يحمل العجوز ويهرع إلى المشفى، يفلح في إنقاذه، وعندما يسأله الطبيب عن اسمه، يجيبه بأنّ مَن يفعل شيئاً طيباً لا يجب أن يذكر اسمه، وأنّ من واجبه أن ينقذ ذاك العجوز.

كان ذلك اليوم ذا معنى كبير لديه.. كان يوماً تاريخيًّا ساعده في الانطلاق إلى بناء مستقبله وبلاده بقوة وإرادة ومحبة.

المصدر : الجزيرة