نزار الفراوي-الرباط

تختزن الحكايات الشعبية ذاكرة الشعوب وتكثف خلاصات تجارب المجموعات السكانية ومصادر حكمتها، ورغم أن هذه المتون الشفاهية تُركت لتواجه احتمالات النسيان والتلاشي، فهناك وعي يتنامى للحفاظ على هذه الكنوز الثقافية اللامادية.
 
ولعل الاهتمام الذي تبديه بعض المنظمات الدولية المتخصصة على غرار اليونسكو في اتجاه تشجيع برامج صيانة هذا الإرث الإنساني، الذي أودعه الأجداد عناية الأجيال اللاحقة، يساهم في توثيق وإعادة الاعتبار إليه شاهدا على عبقرية جماعية.

كما يحفز هذا الاهتمام الفاعلين في الشأن الثقافي بالعالم العربي على تكريس تقاليد وقواعد البحث العلمي والجامعي وتعبئة المقدرات على أسس منهجية من أجل إنقاذ ذاكرة خصبة، ولا سيما في منطقة تزخر بفنون المتن الحكائي الشفوي، الذي يتجاور فيه التاريخي والعجائبي مع الاجتماعي الأنثروبولوجي.

تكريم كبار الرواة الشفاهيين بالمغرب اعترافا بدورهم في حفظ التراث الثقافي (الجزيرة)

وفي المغرب تقدم جمعية "لقاءات للتربية والثقافات" نموذجا لوعي متجدد بضرورة التحرك لحفظ الذاكرة التي باتت تنحسر في ساحات عمومية قليلة بالمدن المغربية يصمد فيها ما يسمى بفن "الحلقة" الذي يتحلق فيه الناس حول راو يحصل رزقه بقص روايات شعبية تراثية مشوقة وناطقة بالحكم والدروس. وتنظم الجمعية مهرجانا دوليا للحكايات لدمج هذا الإرث الشفوي في صلب المبادلات الثقافية بين الشعوب.

وترى رئيسة الجمعية نجيمة غزالي أن الحكاية المغربية خزان للعادات والتقاليد والقيم، وهي عبارة عن أرشيف يتضمن طرق عيش الأسلاف والتفاعل مع المحيط الطبيعي كالحيوانات والأشجار والماء ومع الظواهر الكونية كما تخبر عن نوعية العلاقات بين الأشخاص (الذكور والإناث، والكبار والصغار وبين الفئات الاجتماعية)، وعن أنواع المأكولات والألبسة والأثاث ومساكن مختلف الفئات الاجتماعية، بالإضافة إلى أنها تهذب الصغار وتجيب عن تساؤلاتهم الوجودية.

تنوع المتن الحكائي
وتلاحظ غزالي أن المتن الحكائي المغربي متنوع من حيث المواضيع والأهداف والمتلقون، حيث تتجاور الحكايات العجائبية والحيوانية والدينية، وهو متنوع من حيث اللغة المستعملة، فبالإضافة إلى العربية الدارجة نجد الأمازيغية والحسانية، وكلها تزخر بتنويعات تبرز الخصوصيات الجهوية والمحلية ومن ثم فإن الحكاية تتيح الاختلاف والتنوع وتحفظ الذاكرات المحلية التي يشكل مجموعها الذاكرة الوطنية.

أما عن الجهود المطلوبة لصيانة هذا التراث وإشاعته لدى الأجيال الناشئة، فترى الباحثة الجامعية والوزيرة السابقة أن أول خطوة تكمن في الاعتناء بالحكواتيين الذين يعتبرون بحق كنوزا بشرية حية وهم في تناقص، بينما تتمثل الخطوة الثانية في فتح أبواب المدارس والمكتبات العمومية في وجه الحكواتيين، ليمارسوا فيها الحكي أمام الناشئة. 

أحد الحكواتيين بالمهرجان الدولي للحكايات بالرباط (الجزيرة)

ولدى استعراضها جهود جمعيتها، قالت إنها انصبت على تنظيم مهرجان دولي للحكايات، قصد تشجيع الاعتناء بالموروث الشفاهي المغربي خاصة والعالمي عموما، وتطوير الأبحاث وتنظيم الندوات واللقاءات وإذكاء روح المنافسة المبدعة بين الحكواتيين ومحترفي الفرجة، وتوثيق وجمع الموروث الشعبي اللامادي المغربي، ثم خلق وتنشيط فضاءات للترفيه من خلال فن الحلقة، وكذا تحفيز وتشجيع الإبداعات الفنية والاعتناء بمختلف أساليب التعبير الشفاهي.

عندما بدأت نجيمة غزالي مع زملاء لها في أواسط الثمانينيات الاشتغال على الحكاية خاصة والموروث الشفهي عامة، كان ذلك يثير استغراب الكثيرين، لكن مع مرور الوقت بدأ اهتمام عموم الناس والباحثين والفنانين والمخرجين (سينما/مسرح) يتزايد، إلى أن أصبح اليوم الموروث الشفهي والتراث اللامادي موضوع أبحاث وسيناريوهات لمسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية تحقق نسب مشاهدة عالية وتلقى استحسانا لدى الجمهور.

ورغم تغيّر أنماط الفرجة وتناقص عدد الحكواتيين، وانحسار فضاءات الحكاية، ثمة مجهود كبير يبذل لجمع ونشر الحكايات، كما أن العديد من الجمعيات بدأت تنشط في مختلف مناطق المملكة وأصبحت تنظم مهرجانات سنوية تتناول الفرجة الشعبية وكل مظاهر وتجليات التراث اللامادي مما يبعث الاطمئنان على مستقبل هذا التراث.

المصدر : الجزيرة