أنطوان جوكي-باريس

كيف نحدد أنفسنا حين يحددنا الآخرون سلفا كتناقض أو "تابو" اجتماعي؟ ماذا يعني ألا ننتمي إلى أي فئة راسخة؟ وما الكتابة حين نكون شخصا يرفض الاختيار بين أصوله العربية وثقافته الفرنسية؟

على هذه الأسئلة التي تخصه شخصيا يحاول الكاتب ومخرج الأفلام الوثائقية كريم مسكه الإجابة في كتابه "أن لا ننتمي"، الذي صدر حديثا عن دار "فيفيان هامي" الباريسية ويشكل نوعا من السيرة الذاتية التي نتنقل فيها بين نواكشوط وباريس بين خيمة في الصحراء وتمثال لستالين، بين موعد مع منتجين سينمائيين ودار للصحافة، باختصار، بين أماكن قصة مركبة، لكننا لا نقول بأنها متنوعة، متعددة الألوان، كي لا نجازف في منحها طابع المجلوبية.

محرك السرد في هذا النص القصير نسبيا هو مشهد طفولي ينعت فيه رجل فرنسي عجوز حفيده (الكاتب) بـ"النغل"، المشكوك في أصله، لأن والده دبلوماسي موريتاني مسلم، ووالدته فرنسية يسارية. "نغولة" تعكسها صورة عائلية مؤثرة في نهاية الكتاب، نشاهد مسكه فيها جالسا منذ طفولته بين هويتين.

"نغولة" ستشكل هويته واختلافه في مجتمع فرنسي يذكره بانتظام بغرابته، رغم الشعار الذي يرفعه هذا المجتمع على مدخل مدارسه (حرية، مساواة، أخوة).

خزي وطرافة
"نغولة" تشحن بالغضب والخزي والخجل، وأيضا بالطرافة والصراحة، صفحات هذا الكتاب اللاذعة التي تسجل قطيعة مع الرضا الذاتي لأولئك الذين يتباهون بقيمهم الجمهورية، فاضحة سلوكهم الذي لا يحترم غالبا هذه القيم.

مسكه لا يكتب بحثا حول مرحلة ما بعد جريمة "شارلي إيبدو"، أو رسالة طعن في فرنسا ما بعد مرحلة الاستعمار، بل سردية حول مسيرة "دخيل" لطالما أشعره أبناء البلد الذي وُلد فيه بأنه غير مرغوب فيه

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مسكه لا يكتب بحثا حول مرحلة ما بعد "جريمة شارلي إيبدو"، أو رسالة طعن في فرنسا ما بعد مرحلة الاستعمار، بل سردية حول مسيرة "دخيل" لطالما أشعره أبناء البلد الذي ولد فيه بأنه غير مرغوب فيه أو، على الأقل، بأنه ليس فرنسيا "أصليا"، حول "مهجَّر" ترعرع داخل "عائلة فرنسية بيضاء" وما زال يتصارع مع مسألة الانتماء والكذبة المبنية عليها، وذلك بلغة صريحة وقارصة، وببصيرة تنقص غالبا في النقاشات الراهنة في فرنسا حول "الهوية الوطنية".

وفي طريقه يتساءل مسكه أيضا حول ما يعني أن نكتب في بلد دفعه إلى تشييد خرافات كي يتمكن من العيش فيه، قبل أن يتخلص منها عبر صقل صوته الخاص.

ومثل كل سيرة ذاتية لكاتب، يروي مسكه في "أن لا ننتمي" عملية سيره نحو الأدب الذي سيشكل لهذا القارئ لجان بول سارتر وجان بيار مانشيت "وطنا مينيماليا ومرغوبا يستحق هذا الاسم"، على حد تعبيره، أو على الأقل باب نجاة، أو دربا ثالثا أنقذه من الفئتين اللتين لطالما أشعره أفرادهما بواجب انتقاء واحدة منهما.

عالم الرويات
هكذا سيختار الكاتب، بدلا من الانتماء الوطني أو الديني، الانتماء إلى عالم الروايات، حيث نتعلم أن العنف هو الذي يكون الفئة الاجتماعية أو الطائفة، وأن الكتابة الحقيقية فضائحية لأننا نتجرأ فيها على أخذ الكلام والاحتفاظ به، وحكيمة لأنها تعلمنا أن المهم ليس أن نعرف من نكون بل أن نعرف كيف نحدد موقعنا، وبالتالي موقفنا من المواضيع الخطيرة التي تطرح نفسها علينا أثناء حياتنا.

كنا تمنينا لو أن مسكه حافظ في الجزء الثاني من الكتاب، الذي يتركز على المرحلة التي عاش فيها مع والدته في ألبانيا، على الأسلوب الذي كتب فيه الجزء الأول حيث نجح في صوغ كتابة شفهية وحية تناقض الأسلوب الكلاسيكي المعتمَد عادةً في السِيَر الذاتية.

كنا تمنّينا أيضا لو أن مسكه طوّر أكثر الجزء الذي يتحدّث فيه عن تجربة الكتابة التي خاضها مؤخرا وكانت نتيجتها رواية بوليسية رائعة بعنوان "جاز العرب" حصدت أهم الجوائز المرصودة لهذا النوع الأدبي في فرنسا وبريطانيا، وسيّر الكاتب فيها جميع أفكاره اللامعة حول موضوع الهوية والانتماء.

ومع ذلك، تشكل قراءة هذا الكتاب متعة حقيقية وتجعلنا نترقب كتابا لاحقا منه يتابع فيه تأملاته المثيرة حول الموضوع المذكور بتلك البصيرة وذلك القلق اللذين يميزان نصه الأخير ويمنحانه كل قيمته.

المصدر : الجزيرة