أنطوان جوكي-باريس

يتضمن معرض "من رماد" للتشكيلي اللبناني شربل صامويل عون، الذي انطلق حديثا في غاليري "مختبر 44" في باريس، سلسلة لوحات أنجزها الفنان كليا من غبار شوارع بيروت، وتظهر في كل منها شخصية وحيدة أو مجموعة شخصيات في حالة صدمة.

ولا يصعب على المتأمل في هذه الأعمال المؤثّرة اكتشاف مَن تمثل هذه الشخصيات والأسباب التي تقف خلف الحالة التي تتخبط فيها، فمع انطلاق الثورة السورية أدت عمليات القمع والتنكيل المنهجية التي قادها النظام السوري ضد شعبه إلى فرار مئات آلاف السوريين إلى لبنان حيث يعيشون حاليا في مخيمات بائسة، وفي شوارع بيروت وأماكنها العامة.

ويدعو عون المتأمل في لوحاته إلى ولوج عالم هؤلاء المهجّرين من أجل فهم أفضل لوضعهم المرعب ولنتائج الحرب عموما.

ولا تروي لوحات الفنان قصصا، بل تسعى إلى نقل رؤية صائبة للواقع القاتم الذي تختبره كل من الشخصيات الماثلة فيها، عبر تجسيد اضطرابها وإحباطها وجروحها الداخلية التي تتجلى من خلال الوضعيات التي تظهر فيها ووجوهها المتعبة، وخصوصا عبر نظرات عيونها التي تحدق في الفراغ.

ولا عجب في تشابه هذه الشخصيات الكبير على مستوى الملامح والوضعيات التي تحضر فيها، فالمعاناة التي تعيشها واحدة.

وسواء في موضوعها أو في مناخاتها، تحاكي لوحات عون بعض أعمال السلسلة التي رصدها الفنان الإسباني فرانشيسكو غويا لفضح كوارث الحرب ونتائجها الرهيبة على المدنيين، لكن المقارنة تتوقف عند هذا الحد لاختلاف الفنانين في الأسلوب وطريقة التعبير والمواد المستخدمة.

فبينما سعى غويا إلى نقل مشاهد مباشرة من أهوال الحرب بأسلوب تعبيري وبتقنيات الرسم والحفر والتلوين، يسعى عون وينجح في تجسيد ما يدور في نفس شخصياته المعذبة، وذلك بأسلوب تشخيصي فريد تتحول فيه تعابير الوجوه ووضعيات الأجساد إلى مرآة لما يعتمل داخل أصحابها.

تعابير الوجوه ووضعيات الأجساد تشير إلى ما يعتمل في نفوس شخصيات شربل المعذبة (الجزيرة)

غبار المدينة
كما أنه لا ألوان في لوحات الفنان اللبناني، بل فقط المادة التي تسيّر قصة ومعنى، وهذا ما يقودنا إلى التقنيات البدائية التي يستعين بها وتقوم على استخدام غبار مدينته ممزوجا بالطلاء ليرسم على لوحته بتدرجات الأسود والأبيض عنف المأساة التي يرغب في أن يكون شاهدا عليها.

وتمد هذه التدرجات اللونية الباهتة والفجة، والخطوط الغليظة والتلاعبات في المادة، على خلفية قاتمة أو مكسوة بنصوص دينية، عمله، بعمق وحدّة كبيرين.

ولا يقتصر معرض عون الحالي على هذه اللوحات المشحونة بالألم، بل يتضمن أيضا تجهيزا  صنعه الفنان من أنابيب ماء وحنفيات (صنابير) ويشكّل بدوره تجربة فريدة غايتها استحضار الوضع المؤلم لشخصيات لا نراها، لكننا نسمع همسها.

والأمر يتعلّق بهؤلاء النساء الفقيرات اللواتي حضرن إلى لبنان من أفريقيا أو سريلانكا أو الفلبين للعمل خادمات في المنازل بأجر بائس بهدف إعانة عائلاتهن، نساء يعشن بدورهن في "الغبار" ويخضعن يوميا لصعوبات التأقلم في مجتمع يعاملهن بدونية وبقسوة وجور كبيرين.

ولأن هؤلاء النساء يعانين من نقص فاضح في التواصل مع الآخرين، عمد عون عام 2014 إلى تسجيل كلمات بعضهن بهدف إيصاله إلينا بواسطة تجهيزه.

وفي هذا العمل، تتحاور الحنفيات بشكل خافت، تطرح أسئلة وتلفظ كلمات تعبّر عن كبت وأسرار على أمل أن يصغي إليها أحد. وفي تشتتها داخل التجهيز، تجسد تشتت هؤلاء الخادمات في لبنان وأيضا في مناطق مختلفة من العالم.

أما لماذا الحنفيات، فلأنها ترمز إلى الحميمية والعزلة، ولأن الخادمات يمضين الجزء الأكبر من وقتهن أمامها لغسل الثياب وأواني المطبخ وتنظيف المنزل، وبالتالي، فإن هذه الحنفيات إن امتلكت القدرة على الكلام، لشكلت خير شاهد على معاناتهن.

المصدر : الجزيرة