إبراهيم صموئيل*

إذ تقوم حكومة الدولة بمنح جائزتها لمبدعٍ تقديرا وتكريما لمنجزه الأدبي أو الفني، فإنما تتلقى -في الآن نفسه- جائزة تكريم وعرفان يمنحها المبدع لحكومة الدولة، موقعة باسمه وبمكانته الثقافية.

وسواء، قصد المبدع ذلك أم لم يقصده، تنبه إليه أم لم يتنبه، فتبادلُ التقدير والعرفان حاصل آليا، وبالضرورة، جراء قبول المبدع للجائزة، وهو ما يغيب عن الأذهان غالبا إذ يُنظر إلى حركة منح تلك الجوائز في اتجاه واحد: من الدولة إلى المبدع فحسب.

ولهذا، مثلا، رفض الروائي المعروف صنع الله إبراهيم -في العام 2007 على ما أذكر- جائزة الرواية في ملتقى القاهرة، رائيا إلى الحكومة المانحة بصفتها تمثل "أنظمة حاكمة فاسدة لشعب مقموع وثقافة محاصرة"، كما جاء في بيان أصدره.

السياسة والتكريم
صنع الله إبراهيم ليس وحيدا في رفض جائزة الدولة بالطبع، فثمة من المبدعين العرب من اتخذوا مواقف مماثلة لأسباب مشابهة، جوهرها رؤيتهم أن الجائزة هي مرآة مانحها بالدرجة الأولى، وموقعه، ودوره.. وليست مجرد تقديرٍ أدبي منزه ومبرأ لمنجزهم الإبداعي.

ما يثير الاستغراب لدى العديد ممن ارتضوا نيل جائزة الدولة أن أعمالهم الأدبية محتشدة بالهم السياسي المعارض للاستبداد والفساد والقمع ومعاداة الثقافة في دولهم، وهو ما لا يوفرون فرصة إلا وتحدثوا عنه بإسهاب!

ما يثير الاستغراب لدى العديد ممن ارتضوا نيل جائزة الدولة أن أعمالهم الأدبية محتشدة بالهم السياسي المعارض للاستبداد والفساد والقمع ومعاداة الثقافة في دولهم

شاعر كبير في قصيدة النثر يقبل أن يُحمل حملا -بسبب مرضه- من فراشه وبجلباب نومه إلى منصةٍ ليقوم وزير الإعلام بمنحه جائزة، وهي عبارة عن كتاب مطبوع يضم حوارات جرت معه، بعد تزيينه، بالطبع، بتوقيع السيد الوزير عليه.

وكاتب قصة أشهر من نار على علم، سبق أن هاجر من بلده وأقام في بريطانيا قرفا من نظامه الحاكم -كما أعلن غير مرة- يرتضي أن يستقل طائرة، ثم ينحني أمام وزير الثقافة في سلطة بلده كي يقلده وسام استحقاق على نجوميته وشهرته، ثم يعود -مع وسامه بالطبع- إلى بلد المهجر.

وكاتب مسرح سياسي بامتياز، كرس أعماله لفضح أنظمة الاستبداد وألاعيب حكامها ورجال سلطاتها، يبادر جمهوره المحتشد لسماع كلمته في "يوم المسرح العالمي" بتقديم الشكر والعرفان لحاكم البلد "الذي طوق عنقي بفضله والذي لولاه لما كنت الآن بينكم"، كما عبر حينها.

ومجموعة من أدباء ونقاد كبار يجتمعون تحت خيمة حاكم كان نكتة في عالمنا العربي، ليقوموا، وفي منتهى الجدية، بالكشف عن الدرر في قصص كتابه والأبعاد الفكرية والفنية والأدبية والاجتماعية وغيره.

بين الرفض والقبول
حين يحدث ذلك كله -والكثير مما يماثله- لا ينال المبدعون جوائز سلطات دولهم وأوسمتها ومباركتها فقط، وإنما يهبون السلطات الحاكمة مباركتهم، وعرفانهم، وعذابات مَنْ كتبوا عنهم، وشرف كلمتهم وفنهم أيضا.

ولعل هذا جل ما تأمله السلطات الحاكمة، وتسعى بشتى الحيل إليه، لا لتُبرئ ساحتها فحسب، وإنما لترد أيضا على "تخرصات" مختلف المعارضين لها من الكتاب والمشتغلين في حقل الثقافة.

كيف يمكن أن يضع مبدعون كبار أنفسهم في مواقف إلى هذه الدرجة من الصَّغار؟ كيف صار لهم أن يسهوا عن ألاعيب سلطات كرسوا منجزهم الإبداعي لكشف دهاليزها وتعريتها؟

من النافل القول إن ما سبق لا يعني الحث على رفض الجوائز بالمطلق، ولا يعني الطعن في مختلف الجهات المانحة لها على طول الخط، فالتعميم والإطلاق غير واردين. المراد هنا هو أن الجائزة بقدر ما تعترف وتقدر منجز الممنوح، بقدر ما يدل قبولها على الاعتراف بالمانح وتقديره.

بعد ذلك، ثمة ما لا بد من طرحه: كيف يمكن أن يضع مبدعون كبار أنفسهم في مواقف إلى هذه الدرجة من الصَّغار؟ كيف صار لهم أن يسهوا عن ألاعيب سلطات كرسوا منجزهم الإبداعي لكشف دهاليزها وتعريتها؟ ما من سهو بالتأكيد ولا من شهوة مال لديهم، ولا لرغبة في الشهرة، ولا لنيل الحظوة، فمثل هذا يمكن أن يكون لكتبة أو لمتسكعين في عالم الأدب والفن وليس لمبدعين كبار.

أحسب أن العلة تكمن في مكان آخر أبعد من "المغانم" المتداولة الشائعة. ربما هي في فساد اعتقاد يرى بأن كل مبدع كبير في حقول الأدب والفن هو -بالضرورة- صاحب موقف في الحياة مماثل وموازٍ لمضمون ومكانة أدبه وفنه، والحال أن تاريخ المبدعين يخبرنا أن مواقعهم، ومحتوى وسوية مواقفهم، في قضايا كثيرة، لا تُشتق بحال من محتوى فكرهم ورؤيتهم وسوية منجزهم الثقافي، سواء في السياسة أو في غيرها.
_______________

* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة