وديع عواودة-الرملة

يفضّل الفنان التشكيلي الفلسطيني نهاد ضبيط المطرقة على الريشة، فقد اختارها أداة لتطويع الحديد وإنتاج مجسمات معدنية لأشكال مختلفة بتقنية بسيطة ودقة كبيرة، مما جعل تجربته متفردة ومميزة عن غيرها من التجارب.

بدايات ضبيط الفنية -وهو من مدينة الرملة داخل أراضي 48- كانت مع الريشة التي رافقته خلال السنوات الأولى من تجربته لرسم اللوحات، لكنه ما لبث أن استبدل بها المطرقة.

ويشكّل اختيار العمل على المعادن الصلبة -خاصة الحديد- تحديا بالنسبة لضبيط، لكنه نجح في كسب التحدي وتشكيل مجسمات تحمل دلالات عن فلسطين الأرض والأم.

حلم وهواية
يعتمد ضبيط في عمله على يديه الرشيقتين بالأساس، وتقتصر عدته على مطرقة وكماشة، وأحيانا يستخدم آلة لتلحيم المعادن بعضها ببعض لتشكيل مجسمات تكاد تنطق.

وفي ساحة منزله القائم بين كنيسة اللاتين ومسجد حذيفة وعلى حافة الشارع العام، يطوّع ضبيط الحديد بمطرقته، وهو أحد الطلائعيين في البلاد في هذا المجال.

يقول للجزيرة نت مستذكرا بداياته الأولى، إنه طالما حلم بأن يصبح رساما محترفا يحمل لوحاته ويعرضها في العالم، فهي عملية أسهل من نقل المنحوتات والأعمال التشكيلية الثقيلة، إلا أنه يستدرك "لكنني سرت خلف قلبي وتخصصت بالنحت والفن التشكيلي".

 ضبيط أنجز حتى اليوم ألف شجيرة زيتون جذوعها وفروعها من حديد وأوراقها تصنع من النحاس (الجزيرة نت)

وتعتبر شجرة الزيتون أقرب إلى قلب ضبيط، مثله مثل فنانين فلسطينيين تستهويهم هذه الشجرة المباركة المشحونة بدلالات البقاء والصمود والبركة.

مجسمات ومعان
وقد أنجز ضبيط حتى اليوم ألف شجيرة زيتون جذوعها وفروعها من حديد وأوراقها تصنع من النحاس، وهو يسوّقها في فلسطين المحتلة وأنحاء مختلفة من العالم، إضافة إلى عدد من الأشجار الضخمة التي يصممها بناء على طلبات مسبقة من قبل مؤسسات محلية ودولية.

وبفضل موهبته يصنع ضبيط من الأسلاك المعدنية الصماء أشكالا ومجسمات بدقة لافتة، فينسج بيديه قضبان الحديد وكأنها عملية حياكة سهلة ومريحة.

ومثلما تنقاد الكلمات للشاعر المفوّه، يطوع ضبيط الحديد ويكسبه أشكالا بعضها يحمل بصمة الأنوثة كما يتجلى في مجسمات نسائية معدنية بعضها على شكل رأس بشري أو هيئة إنسان كاملة.

 
دقة تطويع الحديد تجعل الأشكال التي يصممها ضبيط مشابهة للواقع (الجزيرة نت)

ومن هذه المجسمات النسائية مجسم على شكل امرأة حامل مثبتة في واجهة المنزل، وهو غير معروض للبيع لأنه مستوحى من مأساة والدته سميرة التي توفيت أثناء ولادة أخيه، يقابله مجسم لحصان من أسلاك حديدية يبدو كأنه صورة مطبوعة بفضل دقتها.

ظروف وتأثيرات
عن هذا الأمر يقول ضبيط "لا شك أن وفاة والدتي في ظروف قاسية دبّ فيّ طاقة استثنائية، ودفعني نحو الفن وهذه المجسمات النسوية التي تمثل تعبيرا عن الغياب والحنين وتعويض الفقدان".

ويؤكد أن إنتاج المجسمات النسائية بواسطة النحت بالخشب أو الحجر مهمة أسهل، لكنه فضّل الحديد معتبرا ذلك تحديا هاما وغير مألوف بالنسبة له كفنان يبحث عن الابتكار والتجديد.

ومع ذلك يميل ضبيط إلى الابتعاد عن التعقيد في عمله، فينتج مجسمات مختلفة من الحديد بعد اختمار أفكار تراوده أو يسمعها من الناس، وهو يؤمن بأن الفنان يعكس روحه في أعماله.

بل يعتقد أن بعض أعمال الفنان "تحمل أحيانا نبوءة"، فيقول إنه أكثر في طفولته من رسم أشخاص كبار يعانون من الصلع، واليوم يتنبه أنهم يشبهون إطلالته هو في كبره.

المصدر : الجزيرة