مصباح: العرب يحتاجون فأس نيتشه لتحطيم أوثانهم
آخر تحديث: 2015/6/3 الساعة 16:00 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/6/3 الساعة 16:00 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/15 هـ

مصباح: العرب يحتاجون فأس نيتشه لتحطيم أوثانهم

علي مصباح متحدثا عن روايته الجديدة "سان دني" (الجزيرة نت)
علي مصباح متحدثا عن روايته الجديدة "سان دني" (الجزيرة نت)

حاوره كمال الرياحي-تونس

علي مصباح روائي ومترجم ورحالة تونسي يعيش بأوروبا متنقلا بين ألمانيا والبرتغال وشرق آسيا. بدأ الكتابة الإبداعية مبكرا، ولكنه عُرف في المشهد الثقافي العربي كمترجم مختص في الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي نقل الكثير من أعماله إلى العربية مثل "هكذا تكلم زرادشت" و"نقيض المسيح" و"إنساني مفرط في إنسانيته" و"هذا هو الإنسان" وغيرها.

عاد منذ سنوات إلى نشر إبداعه الأدبي وصدرت له رواية "حارة السفهاء"، كما نشر منذ أسابيع قليلة رواية جديدة بعنوان "سان دني".

يدور حواره مع الجزيرة نت حول عمله الروائي ومشروعه في الترجمة.

 في روايتك الجديدة "سان دني" تستلهم أسلوب أدب الرحلة وكورديلو المسافر، فهل استعار الراوي سيرة علي مصباح؟

- في الرواية هناك دوما عناصر من السيرة الذاتية للكاتب، إما من تلك التي يسرّبها هو داخلها، أو ما يتسلل خفية وفي غفلة منه. وفي هذه الرواية بالتحديد، هناك الكثير من تجربتي الشخصية من فترة السبعينيات في باريس.

 تتحول باريس في روايتك من مدينة الأحلام الكبرى إلى "غول" يتجول الراوي في أحشائه الموحشة، فهل خذلك الغرب كما الشرق؟

- كل مدينة غول، والمدن التي ندخلها لأول مرة تبدو لنا هكذا دوما، ربما لأننا نسرف في الأحلام قبل الإقبال عليها. لكنها ليست هكذا فقط. المدينة تتطلب مراودة ومحاولات، وأحيانا استجداء وجهودا لتطويع ممانعاتها. وهناك أيضا من يسعى إلى اغتصابها، كما يتجلى في الفصول المتأخرة من الرواية، لكن الجميع واقعون في أسر سحرها وغواياتها.

لا أستطيع أن أتهم الغرب ولا الشرق بخذلاني، أو بخذلان أيّ كان. إنما أنا الذي أتحمل المسؤولية، ولذلك انكببت على كتابة هذه الرواية طمعا في العثور على لحظات مسؤوليتي ومسؤولية أبناء جيلي

تنتهي العلاقة بالمدينة إلى نتائج متنوعة: من الفشل والخيبة إلى نوع من المصالحة قائم على التنازلات المتبادلة. يعني أنها تحول البعض إلى حطام، والبعض الآخر إلى أبطال تراجيديين، والكثيرين إلى دواب قطيع ومواطنين سعداء.

وبالنهاية لا أستطيع أن أتهم الغرب ولا الشرق بخذلاني أو بخذلان أيّ كان، إنما أنا الذي أتحمل المسؤولية، ولذلك انكببت على كتابة هذه الرواية طمعا في العثور على لحظات مسؤوليتي ومسؤولية أبناء جيلي.
 تؤرخ "سان دني" لسنوات تشرد النخب في شوارع فرنسا، فأين ضاعت تلك النخب اليوم؟

- تفرقت بها السبل. من هؤلاء من عاد إلى البلاد واندمج في الحياة الاجتماعية العامة، بعضهم واصل في المسار الذي بدأه خلال السبعينيات، والبعض تراجع، البعض تحول إلى الكتابة والبعض الآخر دخل مجالات السياسة، وعدد آخر ظل هناك في باريس.
 رمى بطل "سان دني" بحذائه في البحر وقال "لن أعود"، وها أنت تعيش في المهجر الأوروبي غير مستقر في مكان، فهل التيه اختيار؟

- التيه اختيار إجباري على ما أظن.. نتوهم غالبا أننا نختار ونحن نتحرك بدوافع خفية لا ندركها، أو أننا نفعل ما بوسعنا لإخفائها عن أنفسنا. وشخصية عادل سعيدان فضحت لنا منذ البداية كذب تلك الحركة المسرحية التي تمثلت في رمي حذائه في الماء وصيحته التي كانت تتصنع نبرة الظفر، أو الثقة في النفس على الأقل "لن أعود".

 "حارة السفهاء" رواية قدمت فيها بأسلوبك الساخر تاريخ تونس المعاصر بداية من الانقلاب  على بورقيبة. هل تشكل هذه الرواية ضربة استباقية لما توقعته من ذرائع الشعب لسنوات الدكتاتورية؟

- هذه الرواية استرجاع ومراجعة لتجربة سنوات الحلم وبدايات تحسس الطريق لجيل كامل أو ربما لجيلين، جيل الستينيات وجيل السبعينيات. هي في الحقيقة مراجعة لتجربة وتصفية حساب مع مرحلة. وفيها محاولة لتلمّس مسارب تقود إلى اكتشاف أخطاء وعثرات وانحرافات لها بكل تأكيد نصيب من المسؤولية في ما آلت إليه أحوالنا في العشرية التي تناولتها "حارة السفهاء" بالسخرية، وهذه التي نحن بصددها ونمضي فيها مشوشين وعلى غير هدى.

 نعيش عصر التناقضات: ما بعد الحداثة في مواجهة عودة الرجعية في أقصى مظاهرها، فلماذا نترجم نيتشه وأفكاره في هذا الاحتدام؟

نيتشه صاحب مشروع قلب كل القيم وتبجيل الفرد على الكتلة العمياء، وهو المرجعية المناسبة في البحث عن الخلاص من مأزق الحداثة

- نيتشه الذي كان شديد الارتياب حيال الحداثة وصارما في نقد مشروعها، بينما كان يحطم أوثان الأنظمة القديمة السائدة، سيصبح أبا ما سمي بفكر ما بعد الحداثة. عندما ارتطم المشروع الحداثي في صيغته الأوروبية الشمولية بحدوده، كان لابد من البحث عن مرجع لنقد ذلك المشروع الذي اهترأ في الحروب الاستعمارية والحربين العالميتين اللتين كانتا بمثابة الإعلان المدوي عن فشله.

وبما أن المشروع الماركسي "البديل" أفضى بدوره إلى نقيضه في الممارسة: تكوين طغمة بيرقراطية ومشروع سياسي شمولي وعودة إلى تثبيت "الاستلاب"، أصبح نيتشه إذن -صاحب مشروع "قلب كل القيم" وتبجيل الفرد على الكتلة العمياء- هو المرجعية المناسبة في البحث عن الخلاص من مأزق الحداثة.

 وهل اجتاحك كتّاب آخرون وأنت تترجم نيتشه؟

- كتّاب كثيرون وكتب كثيرة، وكنت كثيرا ما أنقطع عن الترجمة وأعود إلى القراءة، مما جعل ترجماتي تأخذ وقتا طويلا في أغلب الأحيان. خلال ترجمتي لكتاب "إنساني مفرط في إنسانيته" كان غالبا ما يحضر في ذهني كل من كانت وهيغل ونظرياتهما حول الفن والإستطيقا (علم الجمال) مثلا. وبعدما انتهيت من ترجمة الكتاب الثاني مباشرة فكرت في ترجمة كتاب يمكن أن يكون نقيضا، أو يمثل على الأقل زاوية أخرى للنظر إلى مسائل الفن والإستطيقا.

 ومن هذا الذي سرقك من نيتشه وجعلك تستبعد كانت؟

ما أعانيه غالبا في نقل المفهوم أو المصطلح يعود إلى اضطراب المصطلحات في القاموس الفلسفي العربي حاليا. هناك حالة من التشتت والارتجال، وليس لدينا ضبط صارم للمصطلحات الفلسفية

- لكي أهرب من كانت وأسلوبه الجاف والمعقد، التجأت إلى حيلة مراودته من خلال الشاعر الألماني شيلر الذي كتب نصوصا تعرف باسم "الكتابات الفلسفية" وأحيانا باسم "المؤلفات الإستطيقية".

وقد انكب شيلر على تلك النصوص في فترة أراد فيها أن يعزف عن الشعر والمسرح وانصرف إلى الفلسفة، وإلى كانت بصفة أخص. قررت إذن أن آخذ لنفسي فاصل استراحة من نيتشه كي أنكب على ترجمة هذا المؤلف لشيلر، وأنا بصدد هذا العمل الآن.

 نقل الفلسفة لا يشبه نقل الأدب، كلّ الحروف محسوبة بدقّة لأن الحروف تنقل معها أفكارا كاملة، فمن هو دليلك في هذه الرحلة؟

- يسمي الألمان الترجمة "نقلا إلى ضفة أخرى"، وكما تعلم أن عبور الماء غالبا ما يصيب الأمتعة بالبلل، خاصة إذا ما كانت حالة المركب أو الزورق غير متينة. هناك بلل يصيب النص المنقول أيضا، ورجائي كل رجائي أن لا تهلك الرطوبة البضاعة المنقولة.

ما أعانيه غالبا في نقل المفهوم أو المصطلح يعود إلى اضطراب المصطلحات في القاموس الفلسفي العربي حاليا. هناك حالة من التشتت والارتجال، وليس لدينا ضبط صارم للمصطلحات الفلسفية مثلا. هنا يجد المترجم نفسه أحيانا كثيرة في حالة تفرض عليه أن يتدبر أمره بتوسل معادلات قد تكون غير موفقة أحيانا، أو غير سعيدة. وأعترف أنني مع مرور السنين اكتشفت سقطات لي في هذا المضمار واختيارات غير موفقة لبعض المصطلحات. هي مغامرة، وبقدر ما فيها من تشويق فيها مسؤولية قاسية أيضا.

 ولماذا يحب العرب نيتشه من دون بقية الفلاسفة تقريبا حسب رأيك وأنت الخبير بمنجزه؟

- أولا، أنا لست متأكدا من أن العرب يحبون نيتشه من دون بقية الفلاسفة. ثم حتى إذا ما صح هذا، فلا غرابة في ذلك، فأي أمة بحاجة ماسة إلى إعادة النظر في مجمل كيانها ومنظوماتها الفكرية والعقائدية مثل العرب اليوم. هذا عمل يتطلب يدا صارمة ومطرقة -بل وفأسا أيضا- لا تعرف الرحمة "تتعاطى الفلسفة قرعا بالمطرقة" من أجل تحطيم الأوثان التي تسكن العقل العربي وتعيق عودة الفضاء الثقافي العربي إلى الحياة والانخراط في التاريخ الحديث.

 الترجمة مغامرة ومقامرة بالذات، أين أنت كوسيط ثقافي من هذه المغامرة؟

كتابات نيتشه أعادت الألفة بين الفلسفة والأدب، تلك الألفة الأصلية التي كانت سائدة لدى اليونانيين قبل سقراط وأرسطو

- هناك لحظات توتر كثيرة تخللت علاقتي بالنص النيتشوي. أحيانا -وخاصة في بداية اهتمامي به- كانت تزعجني أحكامه القاطعة، وهو الذي ينادي بنبذ الأحكام القطعية، وما انفك يقاتلها في سعيه إلى تفكيك المنظومات الفكرية التي تتحول إلى نظم مغلقة، ورغم ما تمارسه عليّ نوعية كتابته التي أعادت الألفة بين الفلسفة والأدب، تلك الألفة الأصلية التي كانت سائدة لدى اليونانيين قبل سقراط وأرسطو.

على العموم يظل نيتشه في جرأته التي لا تعرف حدودا ولا كوابح كاتبا محرجا. نيتشه يرجّك رجا عنيفا. في أحيان غير قليلة يجعلني كناقل لمقولاته في وضع لا يخلو من الحرج، خاصة في ترجماتي الأولى. ربما كنت عندها في مرحلة لم يشتدّ فيها عودي بعدُ للصمود في وجه رياحه العاتية.

 وما الذي ربحته من هذه الرحلة؟

- في المجمل تعلمت من خلاله أن أكتشف قوة الكتابة المكثفة والمقولات المختزلة في الشذرات.. بدأت أتعلم مراجعة طريقتي في الكتابة أيضا، وأصبحت أشعر بالضيق من الإسهاب، وأصبحت أدرّب نفسي على الاقتضاب والتكثيف، وربما أفلح في ذلك يوما ما.

المصدر : الجزيرة

التعليقات