محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

تناول القاص والروائي السوداني مصطفى مبارك في مجموعته القصصية "أحلام الزوجة الثانية لود النمير" التي صدرت عن مطابع الدوحة الحديثة هذا العام أنماطا من القضايا تبدأ من أحلام "إمبراطور الشمس الصباحية" وتنتهي عند "قدلة المغترب الأخيرة".

وتميز القاص بقالبه القصصي التقليدي مع بناء غني المحتوى، إذ إن قضايا المغترب تمثل حجر الزاوية في رؤية القاص الفنية والإنسانية، واستخدم التوثيق والتسجيل الواقعي مع الاهتمام بتفاصيل الوقائع والأحداث مع التجديد في اللغة في جمل قصيرة تشي بالقدرة على فهم الظواهر وتفسيرها وقراءة العلاقات الداخلية للشخصية وأحداثها وتنميتها.

كما اشتملت هذه القصص على أسئلة التفاؤل والتشاؤم والنجاح والفشل (تداعبه مختلف أنواع المشاعر عندما يضع رأسه على الوسادة يستعطف النوم)، مشاعر متباينة لموظف صغير في شركة للشحن البحري بميناء دبي مضت عليه في عمله سنوات طويلة، رصدها مبارك وهو يعمل على اكتشاف الأبنية المجتمعية المتشظية وتداخل الأزمنة مع أحلام المغترب المختلطة بكوابيس الفشل.

استلهم مصطفى مبارك رموزا أسطورية عاشت في الوجدان الشعبي السوداني وانطوت على دلالات إنسانية وتاريخية وبطولية، ومن عنوان هذه المجموعة شخصية "ود النمير" وهي شخصية مشهورة في الأحاجي السودانية

مفارقات
سيطرت روح المفارقة على نصوص هذه المجموعة التي حاولت أن تستبين الأبعاد الإنسانية على مستويي السلوك الشخصي والسلوك العام وما يتعرض له المغترب من صدمات ناتجة عن محتوى الأحلام والواقع الذي يصطدم به في مهجره.

واستلهم مصطفى مبارك رموزا أسطورية عاشت في الوجدان الشعبي السوداني وانطوت على دلالات إنسانية وتاريخية وبطولية، ومن عنوان هذه المجموعة شخصية "ود النمير"، وهي شخصية مشهورة في الأحاجي السودانية "حكى لها ما تبقى في ذاكرته من حكاية فاطمة السمحة وأُمّنا الغولة وأخضر عزاز وود النمير الفارس المغوار ونصير الضعفاء، وقال لها إنه يتمنى أن يبعث من جديد لأن السودان يحتاج إليه".

وتنظر القصص في صورها الوصفية إلى علاقة الإنسان بالواقع الماثل والخوف من المستقبل وتعدد هيئات ظهور هذا الإنسان في مسرح الحياة (إمبراطور الشمس الصباحية، وفارس قطار المطر، وثورة الدرويش الأخضر، وكلب السيدة العمياء، وقدلة المغترب الأخيرة).

البنية السردية
ولمصطفى مبارك خط سرده الملتصق بالواقع السوداني حتى وهو في مهجره، إذ حافظ شكلا وموضوعا على الواقعية القصصية.

ويرى الناقد مجذوب عيدروس أن الدكتور مصطفى مبارك استفاد من قراءاته واطلاعه الواسع على الروايات والقصص المكتوبة باللغة الروسية، خاصة عند أنطون شيخوف ولير منتوف صاحب رواية "بطل من هذا الزمان"، واستفاد أيضا من خبرته الحياتية في مدينة كوستي والأرياف التي تحيط بالمدينة وتعمقه في تقصي أحوال المغتربين السودانيين في مهاجرهم ومنافيهم وما تحفل به حياتهم من مفارقات وأفراح وأتراح مع اهتمامه بالاقتصاد في اللغة.

عامر محمد: ما يميز هذه المجموعة النزول إلى مستوى تفكير الشخصيات المرسومة بتلقائيتها ولغتها وانفعالاتها، كما أن الصور القصصية لم تخل من الأبعاد السياسية والاجتماعية والفلسفية المضمرة داخل النصوص

ويضيف عيدروس أن الكاتب اهتم في هذه المجموعة بتفاصيل الحياة المعاصرة الآن للمغتربين مع عقد مقارنات بينها وبين ما اصطلح السودانيون على تسميته بالزمن الجميل وهم يشيرون إلى فترتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

بينما يذهب الدكتور الناقد عز الدين ميرغني إلى أن هذه المجموعة تندرج في مدرسة الواقعية الاجتماعية، واستفادت من معرفة الكاتب بجيله وما تلاه، بحيث استخدم الأسطورة والقصة والحكاية والأغنية الشعبية المتداولة التي تعكس إحساس الفرد السوداني بوجوده داخل مجتمعه، لافتا إلى أن النصوص في هذه المجموعة حفرت عميقا في قضايا الاغتراب.

ويشير ميرغني إلى أن لغة الكاتب السلسة وجمله القصيرة تناسب الأحداث والأشخاص والموقف الذي تمر به الشخصيات.

في حين يرى الناقد عامر محمد أحمد أن ما يميز هذه المجموعة -مع لغتها الناصعة- النزول إلى مستوى تفكير الشخصيات المرسومة بتلقائيتها ولغتها وانفعالاتها، كما أن الصور القصصية لم تخل من الأبعاد السياسية والاجتماعية والفلسفية المضمرة داخل النصوص مع تراتبية تميزت في قول المعقول واللامعقول، مضيفا أنه رغم تباعد سنوات بعض نصوص هذه المجموعة فكأنها كتبت اليوم.

يشار إلى أن القاص والروائي مصطفى مبارك صدرت له من قبل مجموعة قصصية بعنوان "الدرس الأخير للبصيرة أم حمد" ومجموعة "أبناء حليب النيدو العشرة"، وله رواية بعنوان "آخر حروب المندكورو".

المصدر : الجزيرة