أنطوان جوكي-باريس

قلما تكلم الكاتب الألباني إسماعيل قادري عن نفسه في رواياته، وحين فعل ذلك تجنب أي إشارة إلى شخصه كما في "وقائع من حجر" التي استحضر فيها طفولته، أو في "غسق آلهة السهوب" التي روى فيها سنوات دراسته في موسكو.

من هنا تأتي أهمية روايته الأخيرة "الدمية" التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثا عن دار "فايار" الباريسية، ويسرد فيها بلا مواربة فصولا من سيرته الذاتية، ومتوقفا خصوصا عند علاقته الفريدة بأمه.

"الدمية" في هذا النص هي والدة قادري التي توفيت عام 1993، أما لماذا سماها "الدمية" فلأن أحد أقاربه الذي حمل أمه حين وقعت في حالة غيبوبة وجدها خفيفة "مثل دمية من ورق معجون".

ومع أنه لا شك في عاطفة هذه الأم تجاه ابنها فإنها لا تتوافق مع وصف الأمهات في تلك الأغاني التي تستحضر "الحليب والثدي والرقة ورائحة الأمومة"، بل تتميز بقلة حضورها لعبورها عتبة الجنون باكرا، مما جعلها توحي لابنها "برعب جليدي"، لكن "لأنها كانت غريبة عن الطبيعة البشرية حفظتني من أهوال النوع البشري" يقول قادري.

غواية الكتابة
الوقائع العائلية التي يرويها الكاتب ليست طريفة، فأغلبية أفراد عائلة والده عانقوا الموت، أما الأحياء ففقراء ومتكبرون وتعيسون. وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى عدم فهمه دافع زواج أمه من أبيه، خصوصا أن عائلتها كانت ثرية وسعيدة، علما أنه يستحضر حبها لوالده من النظرة الأولى.

في هذه الرواية نعرف أن الكتابة أغوت قادري منذ الطفولة، وأنه كان يخوض تجارب مختلفة لإثبات موهبته الكتابية كانطلاقه في كتابة رواية من النهاية، أو محاولته -عبثا- تصحيح "الأخطاء" النحوية لشكسبير

في هذه الرواية، نعرف أن الكتابة أغوت قادري منذ الطفولة، وأنه كان يخوض تجارب مختلفة لإثبات موهبته الكتابية كانطلاقه في كتابة رواية من النهاية، أو محاولته -عبثا- تصحيح "الأخطاء" النحوية لشكسبير.

ويقر الكاتب في نصه بدَيْن تجاه مدينة جيروكاستير الألبانية الجنوبية التي نشأ فيها، خصوصا تجاه المنزل العائلي الذي كان على شكل عزبة قديمة ويتضمن سجنا!

هو منزل كبير لكنه في حالة ترميم دائم، ولا يعرف الطفل قادري إن كان يحبه أم لا، لكنه كان يجده "غير واقعي"، أما أمه فلم تكن تشعر بالراحة فيه، بل بملل كبير دفعها إلى القول لابنها "إن المنزل هو الذي يلتهمني".

تكشف هذه الرواية عناصر وتفاصيل مهمة لفهم مسيرة قادري الكتابية وثمارها.

وفي هذا السياق، نتعرف جيدا إلى فصل إقامته في موسكو للدراسة، ويتضح لنا اشمئزازه من الواقعية الاشتراكية التي كان عليه أن يتعلم قواعدها في معهد غوركي.

ودفعه ذلك "الاشمئزاز" آنذاك إلى عدم احترام هذا التعليم في روايته الأولى "مدينة بلا لافتات" التي وضعها آنذاك لامتحان قدراته الكتابية، وحاول فيها أيضا الإفلات من تأثير روائييه الثلاثة المفضلين (جويس وكافكا وبروست) الذين كانوا الهدف الثابت لانتقادات منظري الواقعية الاشتراكية.

الموهبة
وتدريجيا، سيتجلى لقادري ذلك الرابط بين فنه وأمه، خصوصا حين يقنع نفسه بأن الأخيرة "تخلت عن حريتها وسلطتها كأم" كي توفر له "كل الحرية الممكنة في عالم تندر الحرية فيه ويصعب العثور عليها".

قادري كتب عن أمه: كان يتملكني الانطباع أحيانا بأن كل ما كانت تعاني منه في حياتها كان يفيدني في فني، كنت على وشك تصديق أنها اختارت عمدا أن تؤذي نفسها كي تخدمني

وبشأن هذه النقطة يقول "كان يتملكني الانطباع أحيانا بأن كل ما كانت تعاني منه في حياتها كان يفيدني في فني، كنت على وشك تصديق أنها اختارت عمدا أن تؤذي نفسها كي تخدمني".

كما لو أن والدة قادري -بحسبه- عرفت أنها كانت خاسرة في تلك المنافسة بينها وبين فن ابنها، ولذلك ضحت بنفسها، ولن تلبث رؤية الكاتب هذه أن تتحول إلى فكرة غالية على قلبه صاغها على النحو الآتي "غالبا ما تتجلى الموهبة لدينا بما هو معاكس لها، الموهبة هي شيء نفتقر له وليس شيئا إضافيا فينا".

أكثر من ذلك، ستصبح هذه الأم -بطريقة ما- نموذجا في نظر ابنها الذي يقول "لدي الشعور بأنني ابن فتاة مراهقة توقف فجأة نموها". وهذه المراهقة المزمنة -التي عانت أمه منها وحالت دون إدراكها شروط الحياة ورهاناتها- جعلته يعتقد أنه "في هذه الحالة بالذات -التي تدفع بالعقل إلى الخلف في هذا العناد الطفولي- تكمن ما نسميها موهبة الكتابة".

وإذ ستشعر هذه الأم بخوف كبير عندما ستداهم الشرطة الألبانية المنزل العائلي وتصادر مخطوطات ابنها بعد رحيله إلى فرنسا ستخاف أكثر من أن يقرر هذا الابن استبدال أم أخرى بأمه مع بلوغه النجاح والشهرة.

خوف صاغته على شكل سؤال مؤثر وجهته له عام 1992 "هل أصبحت فرنسيا الآن؟".

المصدر : الجزيرة