هيثم حسين

يشير الروائي أوجنين سباهيتش من جمهورية الجبل الأسود التي ظهرت بعد انهيار يوغسلافيا السابقة في روايته "المبعَدون" إلى ضرورة تحمل المرء المسؤولية وعدم غض النظر عن الأفعال التي من شأنها تكريس الطغيان، عبر فرض نوع من الحجر على أماكن بعينها، والتعامل مع أهلها كأنهم في مستعمرة لأناس مرضى مبعدين عن المجتمعات السليمة المعافاة، ويطلق تحذيرا بشأن وجوب مواجهة العلل وتشخيصها بدقة بعيدا عن الانتقائية، كي لا تتفاقم وتؤذي أكثر.

يستهل أوجنين (وُلد عام 1977) روايته -التي نشرتها دار العربي في القاهرة بترجمة هبة ربيع
(2015)- بالتعريف بالمكان، ذاكرا أن آخر موطن أوروبي لمرضى الجذام أو "مستعمرة الجذام" كان يقع في جنوب شرق رومانيا وسط مناظر الظلام المجذومة، والأرض الجرداء، وأنه على مر العصور مُزق البلد إلى أشلاء بمخالب أسود الشر العجوزة، وتلطخت أيديهم بدم الملايين المقهورة، مؤكدا أن رومانيا لم تنسَ مجد الشجعان الذي ساهموا في صناعة تاريخها.

العين الثالثة
يحدد الروائي بداية أحداث روايته بيوم 16 أبريل/نيسان 1989، حيث يسرد راويه مذكراته أو يومياته في مستعمرة الجذام التي احتجز فيها منذ 1981 مع العشرات من المصابين الآخرين من مختلف الأمكنة، وقضوا معا سنوات من العزلة والبعد عن المجتمع، ويجد أن ذلك كان حكما قاسيا عليهم، وأن مرض الجذام مرتبط عند الناس بصور نمطية مسبقة.

الراوي المجذوم يصرح أنه كتب الحكاية كما شوهدت بالعين اليمنى، وهو بكامل قواه العقلية، وأنه يصف الأشخاص الذين التقاهم وعرفهم في طريقه بما يمليه عليه ضميره، وسيحرص على ألا يشوه حرفٌ مطبوع واحد جمالَ الحقيقة التام

الراوي المجذوم يصرح أنه كتب الحكاية كما شوهدت بالعين اليمنى، وهو بكامل قواه العقلية، وأنه يصف الأشخاص الذين التقاهم وعرفهم في طريقه بما يمليه عليه ضميره، وسيحرص على ألا يشوه حرفٌ مطبوع واحد جمالَ الحقيقة التام.

يدور بين الراوي وصديقه روبرت دنكان حديث عن التاريخ، يقول صديقه إن التاريخ هو العين الثالثة للبشرية، وهو ما يتيح لنا إدراك مصائب عصرنا السوداوي إدراكا واضحا، في حين يستشهد الراوي بمقولة إيميل سيوران "لو لم يكن هناك شيء مثل السوداوية، لشوى الناس العصافير وأكلوها".

ويصف أوجنين النظرة المؤسفة من قبل الناس لمرضى الجذام، مستحضرا نماذج من تعاطي القرويين الرومانيين معهم، والاعتقاد السائد بأن لحم المصابين الشاحب وزوائدهم المنتفخة على ظهورهم وأذرعهم ورقابهم، تحتوي على جراثيم المرض التي تنتظر فقط لأن تندفع وتنشره بطريقة ديمقراطية. ويتأسف كيف أن القرويين كانوا يعتبرون المجذومين منبوذين من الإنسانية وأشرارا أيضا.

ويصرح الروائي بأن المبنى الخاص بالمجذومين والمناطق الملاصقة له كانت تبدو كمقبرة مسكونة بالأرواح الشريرة أكثر منها كمؤسسة طبية، ويستعيد تاريخ المستعمرة وتواصل المجذومين فيما بينهم، وأنه على مر السنين أدت حقيقة الجذام إلى قاعدة مفادها أن العواطف مستحيلة وممنوعة في مستعمرة الجذام، وأنهم جميعا كانوا جسدا واحدا يعيش المرض، وينام فيه ويموت به.

كما يشير أوجنين إلى أن المرض يشوه الحالة العقلية للمجذوم بطريقة مشابهة لجروح ظهره وأكتافه الغائرة. كما يشير إلى أنه لم تتغير إجراءات التعامل مع الجذام تغيرا ملحوظا خلال عدة عقود منذ اكتشافه، فيتم تقييد حرية المجذومين بشدة ويمنعون من ملامسة الأصحاء.

ويستعيد الكاتب بعض حالات اضطرار المجذومين إلى إنشاء مجتمعات على أطراف المستوطنات، باحثين عن خلاصهم في النفايات والأعشاب الطبية والفواكه البرية، وكيف أنه بمرور الوقت نهبت جحافل المجذومين القرى المجاورة وأهلها.

الراوي يصف الشرارة الأولى لبدء الاحتجاجات ضد نظام تشاوتشيسكو وسخط العمال المتمردين في المصنع المجاور لمستوطنة الجذام، وتحديهم شرطة مكافحة الشغب، وحرق صور الدكتاتور

شبكة معقدة
يستحضر أوجنين بدايات اكتشاف الجذام التي يرجعها وفق أحد الباحثين إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة، كما يستعيد بدايات انتقال الجذام للقارة الأوروبية مع العائدين من الحملات الصليبية، أولئك الذين اعتبروا أمواتا بين الأحياء لأنهم مصابون بالمرض، وتم التعامل معهم بكثير من الإهمال والإيذاء، ثم تنامي الوسائل الدفاعية لديهم للتمكن من العيش والاستمرار ومجابهة الضغوط والتحديات التي تعرضوا لها.

ويعترف السارد المجذوم بأنه يكشف الشبكة المعقدة التي نسجتها مستعمرة جذام أوروبا الماضية على مدى سنوات وجودها، ولا يعرف يقينا ما المخفي وراء المخطوطات الحزينة التي كتبها الجذام، ولا ما سوف يحصل عليه عندما يظهر جوهر المسألة إلى النور، ربما تعاطف القارئ فقط، أو ربما نفس تعابير الاشمئزاز التي لاحقت المجذومين منذ قرون.

يوثق أوجنين انطلاق الثورة ضد تشاوتشيسكو، يذكر أنه خلال أحد التجمعات تحولت الشرطة إلى الشعب، وقوبلت بعاصفة من التصفيق، بعض العمال أمسكوا بنادق رجال الشرطة، وعقدوا مسابقة رماية ارتجالية، مطلقين النار على وجه الدكتاتور، ثم في تطور التجمع في العاصمة وتصعيد الاحتجاج انضم إليه جموع الناس، وما لبث النظام أن تداعى وانهار، ولم يصمد أمام إرادة الشعب وقوته وإصراره على نيل حريته.

ويصف الراوي الشرارة الأولى لبدء الاحتجاجات ضد نظام تشاوتشيسكو، وسخط العمال المتمردين في المصنع المجاور لمستوطنة الجذام، وتحديهم شرطة مكافحة الشغب، وحرق صور الدكتاتور، واعتبارهم -حين القبض عليهم- مجرمين لأنهم حاولوا تهديد سلامة جمهورية رومانيا الاشتراكية ونظامها الدستوري، كما أنهم طعنوا في صورة الرئيس وإنجازاته، وعندما حاول العديد من العمال النهوض والحديث كانت أعقاب البنادق أسرع منهم.

سباهيتش يلقي بالمسؤولية على عاتق القوى العالمية الكبرى التي كانت ترعى نظام الاستبداد الذي كان أخطر من مرض الجذام الذي يفتك بالشعب والدولة

الحرية دواء
يبرز الكاتب كيف أن نجاح الثورة وسقوط الدكتاتور ساهما في القضاء على مستعمرة الجذام، وتحرير مرضاها، بحيث إن المرضى بدؤوا في الانخراط مع المجتمع ولم يجدوا أنفسهم غرباء منفيين وسطه، بل سعوا لتلقي العلاج والتكيف مع حالتهم، وكان مشهد حرق المستعمرة دلالة رمزية على حرق عهود من الإقصاء والإذلال والتهميش.

ولعل الروائي يروم تشبيه الدكتاتورية بالجذام عبر حبس الناس في سجن كبير، بحجة معالجتهم، في الوقت الذي يتم تجريدهم من إنسانيتهم، والتعامل معهم كمجذومين يحتاجون رعاية خاصة، يشكلون خطرا على سلامة المجتمع وتطوره، في حين أن الطغيان هو جذر المشكلة، وهو الجذام الأكثر إيذاءً وفتكا ببنية المجتمعات والدول، ليثبت أن الحرية تظل الترياق الشافي والأنجع لمعالجة الآفات التي يخلفها الاستبداد.

ويلقي الروائي بالمسؤولية على عاتق القوى العالمية الكبرى التي كانت ترعى نظام الاستبداد الذي كان أخطر من مرض الجذام الذي يفتك بالشعب والدولة، وكيف أن رومانيا كانت قد تحولت إلى مستعمرة عذاب وتعذيب عبر التغاضي عما كان يقترفه بحقها الدكتاتور من آثام وجرائم.

وتكمن الدلالة الرمزية الأخيرة التي يختم بها انتقال الراوي المريض وصديقه الأميركي المريض معه إلى عواصم أوروبية، ناقلين معهما مرضهما، محذرين منه بصوت عالٍ في الوقت نفسه، وصارخين بضرورة اتخاذ تدابير الحيطة والحذر تجاهه. 

المصدر : الجزيرة