محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يتكئ الشاعر أسامة الخواض في نصوصه الشعرية "لاهوت الوردة" على التجريب محاولا إعادة تأسيس مدرسة أطلقها مبكرا مع أصدقاء في الخرطوم في نهاية سبعينيات القرن المنصرم. والمجموعة التي صدرت قبل أيام عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان يمم فيها وجهه شطر الهجرة التي يقيم بها منذ أكثر من ثلاثين عاما ولا يزال على مشروعه بل ازداد بحثا في هذه النصوص عن هجرة جمالية متوحشة ومغرقة في حنين متحرك ومنفصل عن واقعه الذي يعيشه ويمضي فيه نحو خلاصه الخاص.

في هذه المجموعة الشعرية، لا تتشكل في صورة واحدة الخواص الشعرية التي تتركب من جملة شعرية مربكة للقارئ، إذ استطاع الخواض الناقد الشاعر أن يستلهم بالخيال حياة الإنسان وقلقه الداخلي الوجودي، وتجدد خلاياه الباحثة عن ذاته.

كما تتخلق في هذه المجموعة صور شتى للهجرة بعنفها والوطن بعنفوانه الذي غادره (في حضورك يجتمع الحلم والورد من كل حدب وصوت.. يحادثك العاشقوكِ كفاحا على صهوة من حنين الفراشات للزهر..). والمفردة الصوفية العرفانية تتجلى داخل شاعرية الخواض في استغراق تخيلي من خلق واقع أسطوري حالم ومنكسر مع حنين جارف للمكان الأم (قبل أن يهطل الثلج شلنا معاولنا وختمنا ثقوب الشبابيك بالقبلات وجمعنا كثيرا من الحطب العاطفي وبعضا من الطلح)، ثم يختم (.. وبعد أن هطل الثلج غابت عن البيت تلك التي نفثت روحها في هواء المكان).

تجربة حياتية 
يقول الناقد الدكتور أحمد الصادق أحمد للجزيرة نت، إن تجربة الشاعر أسامة الخواض في الكتابة مسندة بتجربته الحياتية ومعرفته بأصول كتابة الشعر، وهذه النصوص جاءت بعد نفي واقتلاع وهي تمتاز بلغة كثيفة وموضوعات في منتهى العمق والعنوان يدل على أن للشاعر موقفا من المعرفة الجمالية.

بينما يذهب الدكتور الناقد مصطفى الصاوي إلى أن بين ثنايا هذا الكتاب نصوصا مختلفة تتدثر بالتاريخ وبالألواح وهذيان الصبي المروي الذي يتسامى إلى آفاق الحداثة وهو يخرج بشعره إلى أبعاد قصية يضمنها الحوار الدرامي ويتناص مع النص القرآني، وتتناثر على صدى نصه مجموعة هائلة من الأعلام (أبو ذر الغفاري، لوركا، وشعراء وكتاب آخرون).

ويضيف الصاوي أن النصوص تراوح بين جدلية الغياب والحضور، ويستوقفها الفضاء الواسع للمنفى الاختياري. والشاعر يدلف في نصوصه إلى آفاق الحكمة المنسية ويبحث عنها بين وطن كان ووطن يتقلب في أتونه وهو يتشظى بين الذاكرة والنسيان، ويخرج الكلمات من دلالاتها المعجمية إلى دلالات هامشية، ويتبدى في القصائد المكان القفر/ المكان الضيق/ المكان التذكر/ المكان الغائب.

وسبق للخواض أن أقام في بيروت في مكان منزو، وعاش حياة لم يرض عنها وصفها في نص شعري بعنوان "صباحية عامل تنظيف"، يقول:
(صباح الخير يا بيروت أرملة الحداثة..
هاهمو الأسلاف ينتشرون كالسرطان في ردهات روحك..
هاهي الفوضى ترش أريجها فوق الدوار وفوق إيقاع الندمْ..

خلاءٌ هذه الأقداح والأرواح يا بيضون.. هل ستظل مهنتنا هنا نقد الألمْ؟). وكانت هذه التجربة محطة انطلاقه للهجرة الدائمة.

كما له عدة إصدارات أخرى منها "خسوف القمر الأتبراوي" و"انقلابات عاطفية" و"قبر الخواض"، وله كتب ودراسات في القضايا النقدية، وهو أحد أعلام المدرسة البنيوية في السودان والتي لعبت دورا كبيرا في توجيه نصوص الأدباء السودانيين ثمانينيات القرن المنصرم.

المصدر : الجزيرة